بالريشة

المعضلة الكردية: هل تشعل الجبال الجبهة الثانية ضد طهران؟

يمثل الوجود الكردي في إيران أحد أكثر الملفات تعقيداً في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. يتركز الأكراد، الذين يقدر عددهم بنحو 10 ملايين نسمة (حوالي 10% من سكان إيران)، بشكل أساسي في شمال غرب البلاد ضمن محافظات: كردستان، كرمانشاه، إيلام، وأذربيجان الغربية. هذا الوجود ليس مجرد ثقل ديموغرافي، بل هو عمق استراتيجي يمتد عبر حدود برية وعرة مع إقليم كردستان العراق، مما يجعله "بيئة مثالية" لحرب العصابات والتحركات العسكرية غير التقليدية.

تتوزع الولاءات السياسية الكردية في إيران بين عدة أحزاب عريقة، أبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) وحزب "كومله" اليساري. في تطور لافت في شباط 2026، أعلنت خمسة أحزاب رئيسية تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران"، بهدف توحيد الجهود لإسقاط النظام في طهران. هذا التحالف يمتلك آلاف المقاتلين المدربين (البشميركة) المتمركزين في معسكرات حدودية، والذين حافظوا لسنوات على حالة من "الهدوء الحذر" بضغط من حكومة إقليم كردستان العراق وبغداد.

مع بدء العمليات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران في أواخر شباط 2026، انتقل الحديث من "المعارضة السياسية" إلى "التحرك البري". تشير التقارير الاستخباراتية الحالية إلى وجود مشاورات مكثفة بين قيادات كردية (مثل مصطفى هجري) وواشنطن حول تقديم دعم عسكري واستخباراتي لتنفيذ عمليات داخل العمق الإيراني.

تتأرجح احتمالات الانخراط بين سيناريوهين:

-       الدور المساند: أن تكتفي المجموعات الكردية بعمليات استطلاع، وقطع طرق الإمداد، وإثارة القلاقل الداخلية لإنهاك الحرس الثوري، وهو الاحتمال الأرجح نظراً لتفوق إيران التسليحي.

-        الغزو البري المحدود: الانخراط في هجوم بري واسع بدعم جوي أمريكي لتأمين "مناطق محررة" في غرب إيران، وهو سيناريو يواجه عقبات جغرافية وسياسية ضخمة، خاصة مع معارضة حكومة أربيل الرسمية لتحويل أراضيها إلى منطلق للهجمات.

إن أي تحرك كردي مسلح ينطوي على مخاطر وجودية؛ فطهران تعتبر الحراك الكردي "خطاً أحمر" وتهدد بتحويل مدن الإقليم إلى ساحة معركة مفتوحة. كما أن الانخراط الكردي قد يثير هواجس تركيا والمكونات الإثنية الأخرى في إيران، مما قد يحول الصراع من "تغيير نظام" إلى "حرب أهلية عرقية" يصعب السيطرة عليها.

1. طبيعة التحرك والتشكيلات المشاركة

تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران": في خطوة غير مسبوقة، اتحدت خمسة أحزاب كردية رئيسية (أبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني PDKI، وحزب الحياة الحرة PJAK، وحزب الحرية الكردستاني PAK) تحت مظلة واحدة لإدارة العمليات العسكرية والسياسية.

عمليات التسلل والسيطرة: تشير التقارير إلى أن مقاتلي "البشميركة" التابعين لهذه الأحزاب بدأوا بالفعل بالتحرك نحو البلدات الحدودية في محافظات كردستان، وأذربيجان الغربية، وكرمانشاه. وهناك أنباء عن سيطرة أولية على بعض المراكز الأمنية ونقاط حرس الحدود التي أُخليت أو أُضعفت نتيجة الضربات الجوية الخارجية.

2. الدعم الدولي والغطاء الجوي

التنسيق مع واشنطن: كشفت تقارير إعلامية (مثل وول ستريت جورنال وCNN) عن اتصالات "مباشرة وسرية" جرت مؤخراً بين إدارة الرئيس ترامب وقادة كرد (بمن فيهم مسعود بارزاني وبافل طالباني في العراق، وقادة المعارضة الإيرانية) لبحث تنسيق بري يهدف لإضعاف الحرس الثوري في المناطق الغربية.

تسهيل التقدم: يُعتقد أن الضربات الجوية الكثيفة التي استهدفت مقار "حمزة سيد الشهداء" التابع للحرس الثوري في مناطق مثل سنندج ومهاباد خلال اليومين الماضيين، كانت تهدف لفتح ثغرات برية تسمح للمقاتلين الأكراد بالتقدم وتثبيت نقاط سيطرة.

3. الأهداف الاستراتيجية المطروحة

إنشاء منطقة عازلة: تتحدث بعض الأوساط الأمنية عن سعي هذه القوات، بدعم غربي، لإنشاء منطقة آمنة أو "منطقة عازلة" داخل الأراضي الإيرانية تكون منطلقاً لانتفاضة شعبية أوسع ضد النظام في طهران.

قطع خطوط الإمداد: يهدف التحرك إلى تشتيت مجهود الجيش الإيراني وإجباره على سحب وحدات من الجبهات الأخرى لتغطية التمرد البري في الغرب.

4. التحديات والمخاطر

رد الفعل الإيراني: رغم الارتباك الحالي، نفذت إيران غارات بمسيّرات وصواريخ استهدفت مقار هذه الأحزاب في (ديكلة) ومناطق قرب أربيل والسليمانية داخل العراق، محذرة من أن أي تقدم بري سيواجه "برد ساحق".

الموقف التركي والعراقي: يثير تسليح الأكراد وتحركهم البري قلقاً بالغاً في أنقرة وبغداد، اللتين تخشيان من أن يؤدي هذا التحرك إلى إحياء أحلام الاستقلال الكردي العابر للحدود، مما قد يدفع هذه الدول لاتخاذ إجراءات مضادة لقطع طرق الإمداد.

الوجود الكردي في إيران

يمثل الأكراد في إيران أحد أعمدة النسيج المجتمعي والتاريخي للدولة، وهم يشكلون ثالث أكبر مجموعة عرقية بعد الفرس والآذريين. تتسم القضية الكردية في إيران بخصوصية جغرافية وسياسية تجعلها ملفاً حيوياً يؤثر في استقرار النظام الإيراني وعلاقاته الإقليمية.

تتراوح التقديرات حول أعداد الأكراد في إيران ما بين 8 إلى 12 مليون نسمة، وهو ما يمثل حوالي 10-15% من إجمالي السكان. يتركز وجودهم بشكل أساسي في شمال غرب وغرب إيران، ضمن ما يُعرف تاريخياً بـ "كردستان الشرقية". وتتوزع تجمعاتهم الكبرى في أربع محافظات رئيسية هي:

-       محافظة كردستان: وعاصمتها سنندج.

-       أذربيجان الغربية: حيث يتمركزون في الأجزاء الجنوبية والغربية منها (مثل مدينة مهاباد).

-       كرمانشاه: وهي كبرى المدن الكردية في إيران وتتميز بتنوع ديني ومذهبي.

-       إيلام: تقع في أقصى الجنوب من المنطقة الكردية.

-       كما توجد جيوب كردية تاريخية في شمال خراسان (شمال شرق إيران)، نتيجة عمليات تهجير قسرية في العصور الصفوية لحماية الحدود من الهجمات التركمانية والأوزبكية.

خصائص التجمعات والتركيبة المذهبية

تتميز التجمعات الكردية بتنوع مذهبي لافت؛ فبينما يتبع أغلب أكراد محافظة كردستان وأذربيجان الغربية المذهب السني (الشافعي)، يتبع جزء كبير من أكراد كرمانشاه وإيلام المذهب الشيعي، بالإضافة إلى وجود أقليات دينية مثل "أهل الحق" (اليارسانية). هذا التنوع المذهبي أثر تاريخياً على مدى انسجام المطالب السياسية الكردية، حيث كانت النزعة القومية أقوى في المناطق السنية التي تشعر بتهميش مزدوج (عرقي ومذهبي).

إقرأ أيضاً: عندما تتحرك الحاملات… تكون الحرب على الأبواب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى