
دخل العراق مرحلة جديدة في مواجهة الفساد، مع إطلاق الحكومة حملة واسعة توصف بأنها الأكبر منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، مستهدفة شخصيات سياسية وإدارية وأمنية بارزة، في محاولة لاستعادة هيبة الدولة وإنهاء واحدة من أكثر الظواهر التي استنزفت الاقتصاد العراقي طوال العقدين الماضيين.
انطلقت الحملة بعد أن أصدر رئيس الوزراء العراقي توجيهات بتشكيل فرق تحقيق خاصة، بالتنسيق مع هيئة النزاهة والقضاء والأجهزة الأمنية، عقب ورود معلومات عن شبكات منظمة تستغل مؤسسات الدولة للاستيلاء على المال العام. وجاءت هذه الخطوة في ظل تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية المطالبة بمحاسبة كبار الفاسدين، بعدما تحولت ملفات الاختلاس والرشوة وغسل الأموال إلى أحد أبرز أسباب تراجع الخدمات العامة وتعثر مشاريع البنية التحتية، رغم الإيرادات النفطية الضخمة التي حققها العراق خلال السنوات الأخيرة.
تقول الحكومة إن التحقيقات بدأت من ملفات محددة داخل وزارة النفط، قبل أن تتوسع تدريجياً إثر اعترافات أدلى بها مسؤولون موقوفون، لتقود إلى الكشف عن شبكة واسعة تضم مسؤولين حاليين وسابقين ورجال أعمال ومتعاقدين مع الدولة، ما دفع القضاء إلى إصدار عشرات مذكرات التوقيف.
أسفرت الحملة حتى الآن عن توقيف عشرات المسؤولين، بينهم نائب وزير النفط السابق لشؤون التكرير عدنان الجميلي، ونائب وزير النفط لشؤون التوزيع علي معارج، إلى جانب محافظ صلاح الدين السابق رائد الجبوري وعدد من المديرين العامين والمسؤولين التنفيذيين. كما تشير السلطات إلى أن التحقيقات ما زالت مفتوحة، وأن أسماء جديدة قد تنضم إلى قائمة المتهمين خلال الأسابيع المقبلة.
لم تقتصر الإجراءات على الاعتقالات، بل امتدت إلى مصادرة أموال وأصول ضخمة. فقد أعلنت السلطات ضبط نحو 98 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 75 مليون دولار أميركي، إضافة إلى أكثر من 11 مليون دولار نقداً عثر عليها داخل منازل ومستودعات تعود إلى متهمين. كما صادرت الدولة عقارات سكنية وتجارية، وأراضي، وسيارات فارهة، وأصولاً أخرى يشتبه في شرائها بأموال عامة مختلسة، في إطار سياسة تهدف إلى استرداد الأموال المنهوبة، وليس الاكتفاء بملاحقة الأشخاص.
في حصيلة أشمل، كشفت هيئة النزاهة الاتحادية أنها تمكنت خلال العام الحالي من حماية واسترداد أكثر من 837 مليار دينار عراقي، أي ما يوازي نحو 640 مليون دولار أميركي**، فضلاً عن استعادة أكثر من 550 مليون دولار من الأموال النقدية والأصول داخل العراق وخارجه، ليصل إجمالي الأموال التي استعادت الدولة السيطرة عليها إلى ما يقارب 1.2 مليار دولار، مع استمرار التحقيقات في ملفات أخرى قد ترفع هذا الرقم بصورة ملحوظة.
يرى مراقبون أن أهمية الحملة لا تكمن في حجم الأموال المستردة فحسب، بل في استهدافها شخصيات تنتمي إلى مستويات عليا في الإدارة العراقية، بعدما كانت حملات مكافحة الفساد السابقة تركز غالباً على موظفين صغار أو قضايا محدودة. كما أن إشراك القضاء وهيئة النزاهة والأجهزة الأمنية في غرفة عمليات مشتركة يعكس رغبة الحكومة في منح الحملة زخماً مؤسسياً يصعب احتواؤه سياسياً.
تكتسب الحملة أهميتها من حجم الخسائر التي تكبدها العراق بسبب الفساد خلال العقدين الماضيين. فبحسب تقديرات رسمية ودولية متداولة، تجاوزت الأموال التي أهدرها أو اختلسها الفساد 500 مليار دولار منذ عام 2003، وهو رقم يوازي موازنات عدة سنوات للدولة العراقية.
تشير هذه التقديرات إلى أن هذه الأموال كانت كفيلة بإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة، وتطوير قطاعي الكهرباء والمياه، وإنشاء آلاف المدارس والمستشفيات، فضلاً عن توفير ملايين فرص العمل. ويرى خبراء اقتصاديون أن الفساد لم يقتصر أثره على تبديد المال العام، بل ساهم أيضاً في إضعاف الاستثمار، وتعطيل التنمية، وتكريس البطالة والفقر، رغم أن العراق يعد من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم. لذلك، ينظر إلى الحملة الحالية باعتبارها محاولة لاستعادة جزء من الأموال المنهوبة، والأهم توجيه رسالة بأن الإفلات من العقاب لم يعد قاعدة ثابتة في مؤسسات الدولة، حتى وإن كان الطريق إلى تفكيك منظومة الفساد لا يزال طويلاً ومعقداً.
إقرأ أيضاً: فنزويلا المنكوبة… الزلزال الأقسى منذ عقود







