
في ظل التطورات المتسارعة المحيطة باتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، أثارت المواقف الأخيرة التي أطلقها الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط موجة من التساؤلات والسجالات السياسية في الأوساط اللبنانية.
فقد شكّلت تصريحاته الحادة (لا سيما تلك التي أطلقها من دار طائفة الموحدين الدروز) مفاجأة للكثيرين وأربكت العديد من القوى السياسية؛ إذ اعتبرها البعض انقلاباً مفاجئاً أو "تكويعة" سياسية نحو خيارات مغايرة، خاصة وأنه كان قد أبدى سابقاً مرونة ودعماً مبدئياً لمسار التفاوض الرسمي.
إلا أن جنبلاط عاد ليفكك اتفاق الإطار بنبرة مرتفعة، مقدماً مقاربة سياسية مختلفة تقوم على معادلة معقّدة تجمع بين انتقاد الاتفاق بشدة، والتحذير من تداعياته على السيادة اللبنانية والتوازنات الداخلية، وبين الإقرار في الوقت نفسه بأنّ إسقاطه أو تجاهله لم يعد خياراً واقعياً في ظل موازين القوى القائمة. وهو بذلك رسم موقفاً يبتعد عن الاصطفافات التقليدية، فلا هو انضم بالكامل إلى مؤيدي الاتفاق، ولا التحق بجبهة الرافضين له، بل حاول تقديم قراءة تربط بين الوقائع الميدانية، وحسابات الداخل اللبناني، والتحولات الإقليمية التي لا يزال تأثيرها مفتوحاً على أكثر من احتمال.
وتتلخص أبرز مواقفه من الاتفاق خلال الأسابيع الأخيرة في النقاط التالية:
- اتفاق أحادي ومفروض: وصف جنبلاط اتفاق الإطار بأنه "اتفاق أحادي أملته إسرائيل" على الجانب اللبناني، معتبراً إياه بمثابة "إملاءات" وليس تفاوضاً متكافئاً.
- انتقاد المفاوض اللبناني: وجّه انتقادات لاذعة للمجموعة التي تولت صياغة الاتفاق، واصفاً إياها بأنها "جماعات لا خبرة لها بالسياسة الدولية أو القانون والدبلوماسية، وهمها السلطة فقط"، معلناً بذلك طلاقاً واضحاً مع المقاربة الرسمية للاتفاق.
- عدم ضمان وقف إطلاق النار أو الانسحاب: أكد جنبلاط أن هذا الاتفاق "لا يضمن وقف إطلاق النار" ولا يتضمن أي ذكر واضح للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، محذراً من أن أخطر نتائج الاتفاق هي تحويل الاحتلال الإسرائيلي من خرق للقانون الدولي إلى مسألة تفاوضية داخلية مرتبطة بالداخل اللبناني وبشروط مسبقة.
- استحالة السلام وتغييب الهدنة: شدد على أن "السلام مستحيل مع إسرائيل، فلنقلع عن استخدام هذه الكلمة". وانتقد بشدة تغييب اتفاقية الهدنة للعام 1949 عن النقاشات، مؤكداً أنها الأساس القانوني والتاريخي لالتزامات الدولة اللبنانية (واتفاق الطائف)، وكان يجب أن تشكل منطلقاً لحماية حقوق لبنان بدلاً من الذهاب إلى صيغ جديدة تفتح الباب لانقسامات داخلية معقدة.
- رفض إسقاط الاتفاق: وهنا يكمن التوازن البراغماتي في موقفه؛ فرغم كل هذه السقوف العالية والانتقادات الجوهرية، أعلن جنبلاط صراحةً أنه يرفض أن يكون جزءاً من أي ائتلاف يسعى لإسقاط الاتفاق أو التراجع عنه بالكامل. وينطلق في ذلك من قاعدة أن إلغاءه في هذا التوقيت وموازين القوى الحالية سيعطي إسرائيل الذريعة الكاملة لتصعيد عسكري شامل وتدمير ما تبقى من البلاد، فضلاً عن إظهار لبنان بمظهر الطرف المعرقل دولياً. لذا، أبدى استعداداً "لمساعدة الدولة إن أرادت إعادة النظر فيه أو تصويبه" فقط.
إقرأ أيضاً: "التيار" ينأى بنفسه عن جبهة بري.. وجنبلاط يفجّرها




