
بعد أيام من الصمت والإدلاء بمواقف عامّة، بادر رئيس الجمهورية جوزاف عون للدفاع بقوة عن اتفاق الإطار الموقّع بين لبنان وإسرائيل، كما فعل ذلك رئيس الحكومة نواف سلام خلال مقابلة تلفزيونية. وما بينهما وقف رئيس مجلس النواب نبيه بري حاملاً العصا من النصف: "إنّها الفتنة، لكنّنا لن ننجر إليها".
فعلياً، كان موقف بري الأعلى سقفاً في السياسة، لكنه في الوقت نفسه وضع ضوابط قاسية مشدّداً أمام قياداته ونوابه، ومن خلال تنسيقه مع "حزب الله"، بأن الفتنة أبشع من اتفاق واشنطن، و"حذاري الوقوع في فخّها"، وفي الوقت نفسه فتح باب الحوار والتسوية مجدداً.
في قراءة للاتفاق هناك توجّهان متضاربان بقوة. يقول الفريق المدافع عنه:
-النص واضح في شأن "إنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل ومعالجة أسبابه الكامنة" (underlying causes). أسباب هذا النزاع معروفة، وهو السلاح الخارج عن إطار الدولة، بما يشكّله أولاً من مطلب لبناني لمعالجته قبل أن يكون مطلباً إسرائيلياً.
-المسار المتبادل والمتدرّج الذي أشار إليه اتفاق الإطار سيتمّ توضيحه والتوافق عليه ضمن ملحق أمني ستكون نتيجته انسحاب إسرائيلي متدرّج، وانتشار الجيش، بالتزامن مع تسليم السلاح.
-المنطقتان التجريبيّتان اللتان ذكرهما الاتفاق، سيشكّلان "الموديل" الأمني للانسحابات الإسرائيلية اللاحقة، بما يؤدي في النهاية إلى خروج الإسرائيلي نهائياً من الأراضي اللبنانية.
-تضمّن الاتفاق رسالة واضحة للحزب وإيران معاً عبر رفض "أي ادعاء من أي دولة أو جهة غير حكومية باستخدام القوّة نيابة عنها من دون تفويض صريح منها، وأن أي ادعاء من أي دولة أو جهة غير حكومية بممارسة دور عسكري أو أمني، يُعدّ غير قانوني بموجب قرارات الحكومة اللبنانية".
-أعطي الطرفان، لبنان وإسرائيل، الحق الأصيل في الدفاع عن النفس، "مع إعادة التأكيد على أنه لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما".
-الاتفاق يضمن "العودة الآمنة" لكل الجنوبيين، وأخذ تعهّد من إسرائيل بعدم وجود أطماع لديها في لبنان. وهو لم ينصّ على التنازل على الحق بملاحقة إسرائيل قضائياً في المحافل الدولية، واعتمد مصطلح إعادة الانتشار بدلاً من الانسحاب، لكن النتيجة واحدة، وهي خروج إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
أمّا الفريق الذي "شيطن" الاتفاق فأشار إلى "ألغامه" الآتية:
-أعطى البند الأول صك براءة لإسرائيل على كل جرائمها بعدما أشار إلى استناد اتفاق الإطار إلى "الاتفاقات والتفاهمات السابقة التي أثبتت نجاحها"، فيما مكّنت هذه التفاهمات فعلياً إسرائيل من تدمير الجنوب، وقتل الآف المدنيين الأبرياء. كما أن الاتفاق على إنهاء النزاع، ووقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية (المادة 13)، أسقط كلياً ورقة مقاضاة إسرائيل على كافة جرائمها أمام المحافل الدولية. وهو لم ينصّ على "تعليق" (suspension)، كما قال رئيس الجمهورية، بل وقف أي cessation، كما ورد حرفياً في الاتفاق.
كما برّأ لبنان إسرائيل من كل جرائمها حين أكد أن "عملياتها العسكرية في لبنان جاءت حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنوايا العدائية الصادرة عن الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، ولا سيما الحزب"، فيما شهد العالم على جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها إسرائيل، بما في ذلك قتل العسكر والضباط عن قصد، إضافة إلى إعلاميين، ومسعفين، ومدنيين في منازلهم، والفرق الطبية…
-ربط الاتفاق (البند 2) بشكل واضح بين تفكيك كل بنية "الحزب" وتسليم سلاحه وبين الانسحاب الإسرائيلي النهائي، متحدّثاً عن إعادة انتشار وليس انسحاب.عزّز هذا الأمر بتأكيد نتنياهو لاحقاً "لن نخرج من المنطقة الأمنية، ومتمسّكون بحريّة الحركة".
-وفق البند الثالث تُرِك أمن الجنوب، وعودة أهل الجنوب "المدنيين"، إلى اختبار "التوافق على المناطق التجريبية الأخرى" (بعد مرحلة المنطقتين التجريبيّتين) بين وإسرائيل، وانتشار الجيش بناء على "هذا التوافق" على المناطق التجريبية، وآلية تنفيذها.
-يشير هؤلاء إلى بند خطير جداً هو البند رقم4 الذي قد يستدعي تدخّلاً عربياً محتملاً في الأزمة اللبنانية، تحديداً سورياً، لجهة الإشارة إلى "التزام حكومة الجمهورية اللبنانية بإعادة ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقّق منه لكل الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وضمان عدم اضطلاع هذه الجماعات بأي دور عسكري أو أمني، وعدم امتلاكها أي قدرات مسلحة في أي مكان على الأراضي اللبنانية. وبموجب هذا الإطار، تطلب حكومة الجمهورية اللبنانية دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق هذه الغاية".
-شكّل البند التاسع في الاتفاق نصّاً عقابياً بحق لبنان قائم على التهديد إذ فرض التزام حكومة لبنان "بتنفيذ برنامج صارم قائم على الأداء، يهدف إلى تمكين القوات المسلّحة اللبنانية من بسط سيطرتها وفقاً للترتيبات الأمنية التي يتمّ الاتفاق عليها في إطار المفاوضات، وتنفيذ نزع السلاح". كما وافقت الدولة على بند يفيد بأن "أي مساعدات أميركية جديدة للبنان ستكون مشروطة بشكل صارم بتحقيق مراحل محدّدة وقابلة للتحقق، وبالشفافية الكاملة، وإثبات النتائج".
في الواقع، اعترف كل من رئيسيّ الجمهورية والحكومة بأن الاتفاق ليس مثالياً، وهو أفضل الممكن. ذهب عون إلى حدّ القول: "أعطوني بديلاً آخر". يجزم المطلعون بأن الاتفاق الوثيقة بكل ما تضمّنه من بنود لا يُشكّل ربحاً صافياً للبنان على أي مستوى، باستثناء توقيف الغارات الإسرائيلية فقط، فيما أعمال التجريف ونسف القرى والمنازل، والأعمال العسكرية "الروتينية" مستمرة داخل الخط الأصفر، وصولاً إلى إقامة بوابات عبور داخل الخط الأصفر وعلى الحدود مع شمال الليطاني. وبالتالي، هو يكرّس الاحتلال لفترة زمنية طويلة، وما عليكم سوى "wait and see" لإثبات المخطط الإسرائيلي بالاحتلال الطويل الأمد.
المفارقة أن رئيس الجمهورية دعا منتقدي الاتفاق إلى التعبير عن رأيهم داخل المؤسسات، وليس الوقوف بوجه الاتفاق، أو معارضته بالشارع، "خلّلينا نجرّبوا وإذا ما ظبط خلّي إسرائيل تسقّطوا".
لكن عملياً، الاتفاق محاصر بكماشتين: كماشة "حزب الله" الذي يعتبره كأنّه غير موجود، وكماشة إسرائيل التي تتصرّف أصلاً بمعزل عن أي اتفاقات وتسويات، وهي ترددها دوماً: "لن ننسحب طالما هناك تهديد من حزب الله".
في المقابل، ثمة من يقول إنّ الرهان على اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، ساقط حتماً في ضوء التعقيدات التي تواجه المفاوضات والتي قد تؤدي إلى تمديدها، أو تعطلها للعودة إلى العميات العسكرية. وبذلك سيكون لبنان أول من سيدفع الثمن.
إقرأ أيضاً: انقلاب جنبلاط أسرع من البرق






