بالملعب

هولندا… عبقرية "الحصان الأسود"

يعدّ المنتخب الوطني الهولندي أحد أكثر المنتخبات تأثيرًا واحترامًا في تاريخ كرة القدم، بفضل فلسفته الهجومية الجريئة وهوية “الكرة الشاملة” التي غيّرت وجه اللعبة عالميًا. ورغم هذا الإرث الكبير، لا تزال خزانة ألقابه تفتقد إلى كأس العالم، حيث اكتفى بالوصافة ثلاث مرات أعوام 1974 و1978 و2010، فيما يبقى تتويجه ببطولة أمم أوروبا إنجازه الدولي الأبرز.

في السنوات الأخيرة، أعاد المنتخب الهولندي تشكيل نفسه بصورة أكثر توازنًا وواقعية، جامعًا بين الصلابة الدفاعية والانضباط التكتيكي من جهة، والمهارة الهجومية من جهة أخرى. يقوده في الخط الخلفي فيرجيل فان دايك، الذي يمنح الفريق حضورًا قويًا وثقة كبيرة، بينما يشكّل فرينكي دي يونغ العقل المدبر في الوسط، حيث يتحكم بإيقاع اللعب ويربط بين الخطوط بسلاسة. وعلى الأطراف، يبرز كودي جاكبو وتشافي سيمونز كمصدر دائم للخطورة بفضل السرعة والقدرة على الاختراق وصناعة الفرص.

تكتيكيًا، يتميز المنتخب الهولندي بمرونته، إذ يتنقل بين خطط مختلفة مثل 3-5-2 و4-3-3، ما يمنحه قدرة على التكيف مع مختلف المنافسين. لكن هذه القوة لا تخفي بعض الثغرات الواضحة، أبرزها غياب مهاجم هدّاف من الطراز العالمي قادر على حسم المباريات الكبرى، إضافة إلى سجل غير مستقر في اللحظات الحاسمة، خصوصًا في الأدوار الإقصائية والنهائيات. كما أن الاعتماد الكبير على دي يونغ في بناء اللعب يجعل الفريق عرضة للاهتزاز إذا تم تحييده.

هنا تحديدًا يُطرح السؤال الحقيقي: هل تكفي الفلسفة والتنظيم للوصول إلى القمة؟ الواقع يقول إن هولندا تملك المقومات للذهاب بعيدًا في البطولات الكبرى، لكنها لا تزال بحاجة إلى حسم هجومي وثبات ذهني في المباريات المصيرية. لذلك، تُصنَّف غالبًا كـ“حصان أسود” أكثر من كونها المرشح الأول.

رغم الصورة المتماسكة التي يظهر بها المنتخب الهولندي، إلا أن نقاط ضعفه ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي العامل الذي يفسّر لماذا يتوقف مشواره غالبًا قبل خط النهاية. أول هذه الثغرات هو غياب المهاجم الحاسم من الطراز العالمي؛ الفريق يصل إلى مناطق خطرة ويبني الهجمات بشكل ممتاز، لكنه يفتقر أحيانًا إلى “المنهي” الذي يحوّل أنصاف الفرص إلى أهداف، وهذا الفارق تحديدًا هو ما يصنع الأبطال في البطولات الكبرى.

المشكلة الثانية أعمق من التكتيك: هشاشة نسبية في اللحظات الكبرى. تاريخيًا، يظهر المنتخب الهولندي بصورة مختلفة حين ترتفع الضغوط في النهائيات أو الأدوار الإقصائية، حيث يتراجع التركيز وتضيع الفعالية، وكأن الفريق يصطدم بحاجز نفسي أكثر منه فني. هذا النمط المتكرر ليس صدفة، بل مؤشر على خلل في إدارة المباريات المصيرية.

أما النقطة الثالثة فهي الاعتماد المفرط على محور واحد في بناء اللعب، خصوصًا فرينكي دي يونغ. عندما يُحاصر أو يغيب، يفقد الفريق سلاسة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وتصبح تحركاته متوقعة وأبطأ، ما يسهل على الخصوم تعطيل منظومته بالكامل.

باختصار، إذا نجح نجوم هذا المنتخب في تقديم أفضل مستوياتهم، وتحوّلت الفرص إلى أهداف في الأوقات الحاسمة، فإن الوصول إلى النهائي ليس حلمًا بعيدًا. لكن التاريخ لا يرحم، وهولندا مطالبة أخيرًا بكسر نمط التعثر حين يكون المجد على بعد خطوة واحدة فقط.

إقرأ أيضاً: إيطاليا بين أمجاد الماضي وكوابيس الغياب عن المونديال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى