
في تحول يُوصف بأنه الأبرز في العلاقات الأميركية – الإيرانية منذ سنوات، أُعلن التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران بعد أشهر من المواجهات العسكرية والمفاوضات السرية والعلنية، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية وإعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.
جاء الإعلان مساء الأحد، بعدما أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نجاح الوساطة التي شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية، فيما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب موافقة واشنطن على الاتفاق، بالتزامن مع إعلان طهران إبرام مذكرة تفاهم تمهد لوقف الحرب والانتقال إلى مفاوضات نهائية.
بحسب المعلومات المتداولة من مصادر أميركية وإيرانية، فإن الاتفاق ينص على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ورفع الحصار البحري المفروض على إيران، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، تمهيداً لإطلاق مسار تفاوضي يمتد 60 يوماً لمعالجة الملفات العالقة بين الطرفين.
تعود جذور الأزمة إلى 28 شباط الماضي، عندما اندلعت المواجهة العسكرية بين الجانبين، قبل أن تنجح هدنة مؤقتة دخلت حيّز التنفيذ في 8 نيسان في احتواء التصعيد وفتح قنوات اتصال غير مباشرة برعاية وسطاء إقليميين ودوليين. وخلال الأسابيع اللاحقة تكثفت اللقاءات والمشاورات وصولاً إلى صيغة تفاهم أولية تحولت لاحقاً إلى إطار رسمي لوقف الحرب.
كشفت وكالة "مهر" الإيرانية أن مذكرة التفاهم تتألف من 14 بنداً، وتشمل رفع الحصار البحري الأميركي، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتعليق العقوبات المرتبطة بصادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية، إضافة إلى الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة كجزء من إجراءات بناء الثقة.
أوضحت الوكالة أن المفاوضات النهائية ستتناول الملف النووي الإيراني وآليات رفع العقوبات بصورة كاملة، فيما تستثني الوثيقة الحالية برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين من إطار التفاوض المباشر.
كما تتضمن المسودة، وفق التسريبات الإيرانية، خطة لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، فضلاً عن تأمين غطاء دولي للاتفاق عبر قرار مرتقب من مجلس الأمن الدولي بعد استكمال مراحل التوقيع والتنفيذ.
غير أن الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان عن الاتفاق شهدت تطورات دراماتيكية كادت تطيح بكل ما تحقق خلال أشهر من التفاوض.
فبحسب مصادر أميركية نقلت عنها شبكة "سي إن إن"، أثارت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت مخاوف جدية داخل الإدارة الأميركية من انهيار التفاهم وعودة المواجهة العسكرية إلى نقطة الصفر.
أشارت المصادر إلى أن واشنطن كثفت اتصالاتها مع مسؤولين قطريين وإيرانيين في محاولة لمنع أي رد عسكري واسع، بعدما كانت التقديرات الأميركية تشير إلى أن إيران تدرس تنفيذ هجمات كبيرة ضد إسرائيل.
كشفت وكالة "فارس" الإيرانية أن الهجوم على الضاحية الجنوبية دفع المفاوضات إلى حافة الانهيار الكامل، وأن إيران كانت تستعد لرد عسكري واسع من عدة جبهات، قبل أن يؤدي تدخل ترامب شخصياً وتقديم ما وصفتها الوكالة بـ"الامتيازات الجديدة" إلى إعادة الزخم للمفاوضات وإزالة العقبات الأخيرة.
بحسب الوكالة، تضمنت تعديلات اللحظات الأخيرة رفع الحصار البحري بشكل فوري بدلاً من تنفيذه خلال 30 يوماً، إضافة إلى إدراج بند ينص على وقف الحرب فوراً على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، والتشديد على احترام سيادة الأراضي اللبنانية ووحدتها.
في المقابل، أكدت مصادر لـ"العربية" أن الاتفاق يفرض التزامات متبادلة على الطرفين، إذ تلتزم الولايات المتحدة بوقف العمليات العسكرية ورفع العقوبات تدريجياً ورفع القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، بينما تتعهد طهران بعدم إنتاج أو امتلاك أسلحة نووية، والتفاوض خلال 60 يوماً على آلية تفكيك مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان، شدد ترامب على أن الاتفاق الحالي لا يمثل التسوية النهائية، محذراً من أن فشل المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي سيعيد خيار العمل العسكري إلى الواجهة.
يترقب المجتمع الدولي مراسم التوقيع الرسمية المقررة في سويسرا يوم 19 حزيران، وسط آمال بأن يشكل الاتفاق بداية مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي، فيما تبقى نجاحاته الفعلية مرتبطة بقدرة الطرفين على تنفيذ التعهدات وتجاوز الملفات الأكثر تعقيداً خلال المفاوضات المقبلة.
إقرأ أيضاً: هرمز مقابل الموانئ... تفاصيل جديدة من الاتفاق الأميركي ـ الإيراني







