
بعد أقل من أسبوعين على زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتجه الأنظار إلى محطته الخارجية التالية في أنقرة، في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية اللبنانية – التركية، لتلامس ملفات إقليمية شديدة الحساسية، من سوريا والنازحين، إلى إعادة إعمار الجنوب، وصولاً إلى موقع تركيا في التوازنات الجديدة التي تشهدها المنطقة.
تأتي الزيارة بعد أيام على زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى أنقرة، بما يعكس توجهاً لبنانياً واضحاً نحو تعزيز الانفتاح على تركيا، باعتبارها لاعباً إقليمياً يصعب تجاوز حضوره في المرحلة المقبلة، ولا سيما بعدما كرّست نفسها شريكاً أساسياً في الملف السوري، ونجحت في الحفاظ على قنوات تواصل مع مختلف القوى الإقليمية، وفي مقدمها إيران.
يُرجح أن يكون ملف النازحين السوريين قد تصدر جدول المحادثات، في ظل النفوذ التركي الواسع داخل سوريا، ولا سيما في شمالها، وما تملكه أنقرة من قدرة على المساهمة في أي خطة لإعادة قسم من النازحين، سواء عبر التنسيق الأمني أو من خلال دعم مشاريع الاستقرار وإعادة الإعمار داخل الأراضي السورية.
يعوّل لبنان على أن تلعب تركيا دوراً أكثر فاعلية في بلورة مقاربة عملية لهذا الملف، بعدما تحوّل إلى أحد أبرز الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه الدولة. وفي موازاة ذلك، يحتل ملف إعادة إعمار الجنوب مساحة أساسية في المباحثات، خصوصاً أن الشركات التركية تمتلك خبرة كبيرة في تنفيذ مشاريع البنى التحتية، فيما سبق لأنقرة أن أبدت استعدادها للمساهمة في إعادة إعمار الدول المتضررة من النزاعات، الأمر الذي يجعلها مرشحة لتكون شريكاً في أي ورشة إعادة إعمار مقبلة في لبنان.
لا تنفصل هذه الزيارة عن التحولات الإقليمية المتسارعة، إذ تحاول تركيا منذ سنوات ترسيخ موقعها كقوة توازن بين الشرق والغرب، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشعبة مع مختلف الأطراف. كما تمكنت من إدارة علاقة معقدة مع إيران، تجمع بين التنافس في بعض الملفات والتنسيق في ملفات أخرى، وفي مقدمها سوريا والطاقة والتجارة، ما يمنحها هامشاً واسعاً للتحرك ويؤهلها للعب أدوار سياسية ودبلوماسية في عدد من الملفات التي تهم لبنان.
إلى جانب الملفات الاقتصادية والأمنية، تشير المعطيات إلى أن الرئيس عون تناول مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أهمية استمرار أنقرة في دعم سيادة لبنان ورفض أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقة مع سوريا. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ضوء المتغيرات التي تشهدها الساحة السورية، وما يرافقها من تساؤلات حول طبيعة الدور الذي قد تلعبه دمشق في المرحلة المقبلة، في ظل حرص لبنان على أن تقوم أي علاقة مستقبلية بين البلدين على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
تؤكد مصادر مطلعة أن بيروت تنظر إلى النفوذ التركي داخل سوريا بوصفه عاملاً يمكن الاستفادة منه لتثبيت هذا التوجه، بما يكرس احترام سيادة الدولة اللبنانية ويمنع أي عودة إلى أنماط الوصاية التي طبعت مراحل سابقة من العلاقات بين البلدين.
سياسياً، تُقرأ زيارة عون إلى أنقرة على أنها استكمال للحراك الدبلوماسي الذي بدأ من واشنطن، ولكن هذه المرة باتجاه قوة إقليمية مؤثرة تسعى إلى تعزيز حضورها في المنطقة. ويدرك لبنان أن مرحلة إعادة الاستقرار وإطلاق ورشة إعادة الإعمار تتطلب شبكة واسعة من الشراكات العربية والإقليمية والدولية، وأن تركيا ستكون أحد أبرز اللاعبين في هذا المسار، سواء من خلال مساهمتها في إعادة إعمار الجنوب، أو دورها في معالجة أزمة النازحين، أو عبر مواكبة التحولات السياسية التي تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
إقرأ أيضاً: بري و"الحزب"… لا ثالث بينهما







