قصة صغيرة

سكة طرابلس-سوريا: القطار لم يغادر محطة "الدراسة" بعد

في منتصف أيار 2026، وقّع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، من مرفأ طرابلس، وثائق مناقصة لتحديث دراسة وتصميم خط سكك الحديد بين طرابلس ومنطقة العبودية عند الحدود مع سوريا، ضمن مشروع أوسع لربط لبنان بشبكات النقل الإقليمية. ويمتد المسار المقترح نحو 35 كلم داخل الأراضي اللبنانية، من مرفأ طرابلس مروراً بعبدة وتل عباس في عكار وصولاً إلى معبر العبودية، مع مقطع إضافي طوله 6 كلم داخل سوريا.

أما عن جهوزية الجانب اللبناني تحديداً، فالواقع أبعد ما يكون عن الجاهزية التشغيلية: فالخط، الذي افتُتح أصلاً عام 1911 وتوقف مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، تحوّل عبر عقود من الإهمال إلى بنية شبه منهارة بالكامل - محطات ومستودعات وقاطرات مدمَّرة، وعمّال لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، بحسب أوصاف موثّقة لواقع المرفق.

صحيح أن هناك عنصرين إيجابيين نسبياً: نحو 5500 طن من قضبان السكك جرى شراؤها عام 2004 ولا تزال مخزّنة في مرفأ طرابلس ويجري حالياً فحصها للتأكد من صلاحيتها، إضافة إلى ملكية مصلحة السكك الحديد نحو 10 ملايين متر مربع من الأراضي مع تعديات محدودة عليها خصوصاً على قطاع العبودية-طرابلس. لكن هذا لا يعني وجود سكة جاهزة للاستخدام، بل مجرد مواد أولية ومسار محفوظ نسبياً من التعديات. فالمرحلة الحالية، بحسب المسؤولين أنفسهم، تقتصر على تحديث التصميم وتقدير الكلفة ودراسة الجدوى واختيار نموذج التمويل، لا وضع قضبان فعلية على الأرض - أي أن لبنان لم يتجاوز بعد عتبة "الدراسة" نحو مرحلة "التنفيذ".

غير أن الطريق أمام تحويل هذا الطموح إلى واقع تعترضه عقبات جدية، أبرزها من الجانب السوري: فالسكك السورية بدأت تستعيد جزءاً من حركة الشحن لديها، لكنها ما زالت بحاجة إلى تمويل وصيانة وقاطرات وقطع غيار وتأهيل خطوط متضررة، من دون إعلان سوري مفصل حتى الآن بتمويل أو جدول تنفيذ للمقطع المتصل بخط طرابلس. كما لا تزال ملفات الحدود والجمارك وآليات العبور والتشغيل المشترك بين البلدين غير محسومة.

اقتصادياً، تبقى أهمية المشروع كبيرة نظرياً: خط ينطلق من مرفأ طرابلس يمكن أن يخلق مساراً متكاملاً لنقل الحاويات نحو سوريا فالعراق والخليج، بديلاً منافساً للنقل البري بالشاحنات، ويعزز موقع طرابلس كمحور لوجستي إقليمي، خصوصاً مع تزامن ذلك مع تفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة ومساعٍ لإعادة تشغيل مطار القليعات.

لكن هل يشكّل حلاً فعلياً وقريب الأفق للنقل الإقليمي؟ الإجابة الواقعية: ليس بعد. فالجانب اللبناني من السكة، رغم توفر بعض مقومات التأهيل، لا يزال في مرحلة الورق والدراسات، بينما الجانب السوري يواجه بدوره فجوات تمويلية وتقنية مماثلة، ولم تُحسم بعد ملفات الحدود والجمارك والتشغيل المشترك بين البلدين. وبذلك يبقى المشروع فرصة استراتيجية واعدة أكثر منه حلاً عملياً جاهزاً للتفعيل في المدى المنظور.

إقرأ أيضاً: افتتاح معبري العريضة والعبودية قريباً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى