
يثير الكلام المتكرر عن مفاوضات، أو عن "قنوات تواصل"، بين مسؤولين أميركيين ومسؤولين في "حزب الله" والأميركيين التباساً، يمكن ملاحظته عبر ثلاث نقاط أساسية:
أولاً، لا يزال الموقف الأميركي الرسمي، كما عبّر عنه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى مراراً وآخرها من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، محصوراً بصيغة واحدة: الاستعداد للتفاوض مع حزب الله "عن طريق الدولة اللبنانية" حصراً، باعتبار أن "الحكومة اللبنانية هي المحاور الشرعي الوحيد بشأن مستقبل لبنان"، وأنّ المطلوب من "الحزب" تسليم سلاحه لا أكثر ولا أقل. وهذا الطرح، بحسب عيسى نفسه، لا يترك هامشاً لأي حوار مباشر أو متوازٍ مع "الحزب" خارج هذا الإطار، قد يفتح الباب أمام معادلات جديدة.
ثانياً، هذه التصريحات لا تحجب التسريبات والتقارير التي تحدثت عن وساطة تقودها قطر بين مسؤولين أميركيين ومسؤولين من "الحزب"، في امتداد لدور الدوحة الذي سبق أن لعبته في التوصل إلى وقف إطلاق النار الأخير عبر اتصالات مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتولى ملف التفاوض باسم "الحزب". هذا التداخل بين نفي رسمي أميركي علني وتسريبات عن تواصل غير معلن يفتح الباب أمام تساؤلات عن الجهة التي تدير فعلياً الملف، وعن حدود الدور الذي تلعبه الدولة اللبنانية مقابل القنوات الموازية.
ثالثاً، يكتسب هذا الالتباس أهمية إضافية في ظل تعطل "مسار إسلام أباد"، الذي كان يُفترض أن يوفر لإيران وللحزب مخرجاً منظماً عبر وقف لإطلاق النار برعاية إيرانية-أميركية متلازمة. وسقوط هذا المسار يرفع من احتمال لجوء "حزب الله" إلى استدراج عروض مباشرة أو غير مباشرة لإنجاز تفاهم مع الأميركيين يعيد استنساخ تجربة ما بعد 2006، حين خرج "الحزب" من مواجهة عسكرية بتفاهمات سياسية أعادت تظهيره كلاعب أساسي في المعادلة الداخلية.
من هنا يُطرح السؤال الجوهري: ما هي معادلة أي اتفاق محتمل؟ هل سيكون على شاكلة "السلاح مقابل تعديلات دستورية"؟
يقول متابعون إن أي تعديل دستوري، بحكم التجربة التاريخية، يُفترض أن يُكرّس ميزان قوى جديداً، تماماً كما حصل في اتفاق الطائف الذي عكس موازين القوى الإقليمية والداخلية في حينها. غير أن ميزان القوى الراهن لا يُقدّم "حزب الله" بصفة المنتصر، بل بصفة الطرف المتراجع عسكرياً وإقليمياً، فيما المكسب السلطوي والدستوري، في كل التجارب المماثلة، إنما يُمنح للفائزين لا للخاسرين - وهذه، بحسب هؤلاء المتابعين، ليست حالة "الحزب" اليوم.
إقرأ أيضاً: جعجع لعون وسلام: تصرّفا… ولقائد الجيش: تخالف الدستور!







