
تدخل المواجهة الأميركية ـ الإيرانية مرحلة جديدة مع انتقال واشنطن من العقوبات التقليدية إلى استراتيجية أكثر شمولًا تقوم على الجمع بين الحصار البحري والضغط المالي والتجاري، وذلك في سياق حرب مسلّحة قائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ ٢٨ شباط ٢٠٢٦، حين شنّت واشنطن وتل أبيب ضربات جوية واسعة على الأراضي الإيرانية.
شهد هذا المسار وقف إطلاق نار في ٧ نيسان، ثم اتفاقًا لرفع الحصار البحري في ١٧ حزيران، قبل أن ينهار هذا الاتفاق ويُعاد فرض الحصار في منتصف تموز إثر هجمات إيرانية على سفن تجارية.
في هذا الإطار، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته الأسبوع الماضي مهددًا بـ«أقسى العقوبات في التاريخ» وبما وصفه بـ"الغضب الاقتصادي" وهي حملة ضغط قائمة أصلًا منذ نيسان ٢٠٢٦، وليست إعلانًا جديدًا، بل تصعيدًا إضافيًا ضمنها، في محاولة لخنق مصادر تمويل إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات في الملفات التي تريد واشنطن حسمها، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز.
ردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على هذا التهديد بوصفه "إرهابًا اقتصاديًا"، معتبرًا أنه محاولة لتغطية أزمة الديون المتصاعدة في الولايات المتحدة، وحذّر من أن الحملة تهدد الاقتصاد العالمي وسيادة دول أخرى غير إيران. وقد جاء التصعيد الأميركي بعد يوم واحد من إعلان الإمارات العربية المتحدة، أحد أهم الشركاء التجاريين لإيران، تعليق كل تعاملاتها التجارية والمالية مع طهران، إثر ما وصفته بإطلاق صاروخين باليستيين إيرانيين باتجاهها.
تقوم الآلية الأساسية للحصار البحري على تعطيل قدرة إيران على تصدير النفط واستيراد السلع عبر الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز. فالنفط يشكل شريانًا أساسيًا للاقتصاد الإيراني، ولذلك فإن منع ناقلات النفط من مغادرة الموانئ الإيرانية أو اعتراض حركة الشحن المرتبطة بها ينعكس مباشرة على إيرادات الدولة وقدرتها على الحصول على العملة الصعبة.
تشير أحدث بيانات الصين إلى أن وارداتها من النفط الإيراني تراجعت إلى نحو ٥٣٤ ألف برميل يوميًا في الأيام الأولى من آب، مقارنة بـ٨٢٣ ألف برميل يوميًا في تموز، بعدما كان متوسط مشتريات الصين من إيران خلال عام ٢٠٢٥ نحو ١.٤ مليون برميل يوميًا. بما أن الصين تستوعب وحدها ما بين ٨٠ و٩٠٪ من إجمالي الصادرات النفطية الإيرانية، فإن التراجع في مشترياتها يعكس إلى حد كبير، وإن لم يكن بشكل كامل، تراجع الصادرات الإيرانية الإجمالية.
لكن "الغضب الاقتصادي" يتجاوز النفط. فحملة الضغط الأميركي المستمرة تستهدف الشبكات المالية والتجارية التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات، بما في ذلك المصارف والشركات والوسطاء والناقلات والأفراد المتعاملين معها، مع التلويح بعقوبات ثانوية على الدول التي تواصل التجارة مع طهران. وهذا يعني أن واشنطن لا تستهدف الاقتصاد الإيراني مباشرة فحسب، بل تحاول أيضًا رفع كلفة التعامل معه على الشركات والمصارف الأجنبية، بحيث يصبح الاختيار بين السوق الأميركية والسوق الإيرانية أكثر وضوحًا لمصلحة الأولى.
تبرز الصين في قلب هذه المعادلة، بوصفها المشتري الأكبر للنفط الإيراني المنقول بحرًا. ولذلك فإن نجاح الاستراتيجية الأميركية يعتمد جزئيًا على قدرة واشنطن على الضغط على الشركات الصينية والمصافي المستقلة التي تشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة، رغم أن مصدرًا في أحد هذه المصافي أشار إلى أن عقوبات جديدة لن تردع بالضرورة المشترين الذين سبق أن طالتهم عقوبات واستمروا في معالجة النفط الإيراني. وإذا نجحت واشنطن في تضييق هذه القناة أكثر، فإن طهران ستواجه مشكلة مزدوجة: انخفاض كمية النفط التي تستطيع بيعها، وانخفاض السعر الذي تستطيع الحصول عليه مقابل الكميات التي تتمكن من تصريفها.
أما التداعيات الداخلية، فتظهر في تراجع تدفق العملة الصعبة، وضعف العملة الإيرانية، وارتفاع التضخم، وزيادة كلفة الاستيراد. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي (نيسان ٢٠٢٦) إلى أن التضخم في إيران قد يبلغ ٦٨.٩٪ في العام ٢٠٢٦، مع انكماش الاقتصاد بنسبة ٦.١٪. وهو أحد أكبر التراجعات الاقتصادية منذ عام ١٩٨٨. وقد باتت الأسر الإيرانية تواجه صعوبة متزايدة في تأمين السلع الأساسية. وبالتالي، فإن الهدف الأميركي لا يقتصر على تقليص قدرة إيران على تمويل عملياتها الخارجية، بل يمتد إلى زيادة الضغط الاجتماعي والاقتصادي داخل البلاد.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر على الولايات المتحدة والأسواق العالمية أيضًا. فكلما انخفضت صادرات النفط الإيرانية، زاد الضغط على الإمدادات العالمية، خصوصًا إذا ردت طهران بمحاولة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز مجددًا. وقد بدأت الأسواق فعلًا في التعامل مع احتمال تقلب أسعار النفط نتيجة اضطراب الإمدادات، وإن كانت بعض التقديرات تشير إلى أن الأسواق قد لا تتفاعل بقوة ما لم تصعّد إيران عسكريًا. كما أن توسيع العقوبات لتشمل دولًا وشركات تتعامل مع إيران قد يفتح مواجهة اقتصادية مع الصين والهند وغيرهما، ويحوّل الحصار من أداة ضد إيران إلى أزمة أوسع في النظام التجاري العالمي.
هنا تكمن المعضلة أمام واشنطن: هل يستطيع الحصار الاقتصادي إجبار إيران على التفاوض، أم أنه سيدفعها إلى مزيد من التصعيد؟
إقرأ أيضاً: استهداف أرامكو… يصدم الأسواق







