
خلف الأرقام الكبرى عن التضخم والانكماش والعقوبات، هناك حياة يومية تتبدل بصمت في المنازل والشوارع والجامعات الإيرانية. فحين يُسأل الإيرانيون اليوم عمّا تغيّر فعليا في حياتهم، لا يبدأون غالبا بالحديث عن سعر صرف الريال، بل عن الظلمة التي باتت تخيّم على بيوتهم لساعات كل يوم.
إذ تصل مدة انقطاع الكهرباء في بعض المدن الصناعية إلى أربع، بل ست ساعات يوميا، بحسب مسؤولين محليين. الأمر لا يقتصر على الإزعاج المؤقت: فقد تسببت الانقطاعات المتكررة وغير المبرمجة، بالتزامن مع ذروة الحر الصيفي، في تعطيل حياة المواطنين وأعمالهم في مناطق واسعة، وحرمانهم من القدرة على التخطيط لأنشطتهم اليومية البسيطة.
تتجاوز الأزمة الكهرباء إلى المياه: ففي بعض الأحياء والمدن، يبدأ قطع إمدادات المياه من منتصف بعد الظهر ويمتد حتى صباح اليوم التالي، تاركا العائلات بلا هذه الضرورة الأساسية لساعات طويلة، بل بلا مياه لأيام متتالية في بعض التجمعات السكنية، بينما تتجاوز درجات الحرارة الخمسين درجة مئوية في بعض المناطق.
على صعيد المعيشة اليومية، فإن الفجوة بين الدخل والإنفاق باتت صارخة. تراجع الحد الأدنى للأجور في إيران إلى نحو 87 دولارا شهريا فقط بحلول تموز 2026، وهو رقم يجعل تغطية أبسط الاحتياجات تحديا يوميا لملايين الأسر، خصوصا مع قفزة أسعار مواد البناء بنسبة وصلت إلى 100% عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما جعل أصحاب المشاريع عاجزين عن إطلاق أي بناء جديد ويكتفون بمحاولة إكمال ما بدأوه فقط. حتى فاتورة الكهرباء نفسها، التي كان يفترض أن تكون عبئا بسيطا، قفزت بنسبة تصل إلى 300%، ما يجعل توفير الطاقة في المنزل خياراً اقتصادياً مؤلماً لا مجرد راحة.
هل تغيّرت الحياة فعلا؟
الجواب، من واقع هذه التفاصيل اليومية، هو نعم بشكل ملموس: تراجعت القدرة على التخطيط (حتى للامتحانات الجامعية)، وأصبح الحصول على كهرباء ومياه مستقرتين أمراً غير مضمون، وتضاءلت القدرة الشرائية للأسرة العادية إلى حدود قاسية.
لكن هذا التغيير، بحسب محللين اقتصاديين، لا ينبع فقط من العقوبات الأميركية المشددة أخيرا، بل من تراكم أزمات بنيوية سابقة (شبكة كهرباء متهالكة، عجز إنتاجي مزمن) تفاقمت مع الضربات العسكرية الأخيرة وتشديد الحصار المالي. بمعنى آخر: الحصار لم يخلق الأزمة من الصفر، لكنه ضاعف حدتها وسرّع وطأتها على الحياة اليومية لملايين الإيرانيين العاديين، الذين يجدون أنفسهم اليوم يقيسون يومهم بساعات الكهرباء المتاحة، لا بساعات العمل أو الدراسة.
إقرأ أيضاً: انفجرت مجدداً بين بعبدا ومعراب







