قصة صغيرة

قانون الفجوة المالية كشف عن... "وزراء المصارف"

لم ينته مجلس الوزراء من دراسة مشروع قانون الانتظام المالي أو ما يعرف بـ«قانون الفجوة المالية»، ويفترض أن يعقد جلسة ثالثة يوم الجمعة المقبل لاستكمال البحث قبل إقرار المشروع، وهو أمر صار حتمياً، كما تؤكد مصادر معنية، بسبب الضغوط الخارجية التي تمارس على الحكومة لوضع قانون يراعي قواعد صندوق النقد الدولي.

اللافت، أنّ الجلستين اللتين عقدهما مجلس الوزراء كشفتا القناع عن "وزراء المصارف" الذين تولوا مهاجمة القانون تحت عنوان أنّه يرفضون إقرار قانون لا يعيد كامل الودائع إلى أصحابها، وهو أمر مستحيل، كما يدرك الجميع. هذا مع العلم أنّ المعلومات تؤكد أنّ المصارف غير متفقة على مقاربتها للقانون. اذ أنّ بعضها يريد اقراره للانطلاق في إعادة الهيكلة فيما البعض الآخر يرفضه بالتمام وسيتولى تهشيمه وتفريغه فور وصوله إلى البرلمان.

أما القانون فهو إطار قانوني لمعالجة واحدة من أعنف الأزمات المالية والمصرفية التي عرفها لبنان. يهدف، نظرياً، إلى تحديد حجم الخسائر في النظام المالي، وتنظيم إعادة هيكلة المصارف، ووضع آلية للتعامل مع الودائع العالقة منذ بداية الانهيار. إلّا أنّ تقييم هذا القانون لا يمكن أن يتم بمعزل عن جذور الأزمة نفسها ولا عن المبادئ الاساسية لأي إعادة هيكلة جدية.

وفق الخبراء، فإنّ الأزمة اللبنانية لم تكن نتيجة صدمة خارجية، بل نتاج نموذج اقتصادي ومالي انهار من داخله. نموذج قام على عجز مالي مزمن، ودين عام متراكم، وسياسة نقدية ثبّتت سعر الصرف لعقود، ما حوّل مصرف لبنان إلى مموّل غير مباشر لدولة عاجزة، وسمح بقيام قطاع مصرفي ركّز الجزء الأكبر من مخاطره على الدولة والمصرف المركزي، على حساب المودعين.

من حيث المضمون، يرتكز قانون الفجوة على عناصر أساسية أبرزها: إجراء تدقيقات وتقييم ملاءة المصارف، تنظيم عملية إعادة الرسملة، تحديد آلية لسداد جزء من الودائع نقداً ضمن سقوف معينة، وتحويل الجزء المتبقي إلى أدوات مالية طويلة الأجل. غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في ترتيب الأولويات وتسلسل تحمل الخسائر.

المعايير الدولية واضحة: الاعتراف بالخسائر، شطب رساميل المساهمين في المصارف قبل أي مساس بودائع الناس، ثم توزيع الخسائر وفق تسلسل المسؤوليات. ما يثير القلق هو أنّ المشروع المطروح يحمّل المودعين جزءاً أساسياً من الكلفة عبر تحويل ودائعهم إلى التزامات مؤجلة، في وقت يبقى فيه مصير رساميل المصارف ومسؤوليات الدولة والمصرف المركزي غير محسوم بشكل صريح في النص.

بهذا الشكل، لا ينهي القانون حالة الافلاس، بل يديرها ويؤجلها. تتحول الوديعة من حق ثابت إلى وعد مؤجل، ويستبدل الحل الجذري بإطار إداري هش، ما يهدد بإعادة إنتاج الأزمة بدل إنهائها.

أي مسار تعاف فعلي يفترض قانوناً أن يعالج الفجوة عبر المحاسبة الصريحة وتوزيع عادل للخسائر، لا عبر ترحيلها الى المستقبل.

إقرأ أيضاً: "الحاكم" حاكم أو نص نص؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى