قصة كبيرة

بالأحمر والأسهم… إسرائيل ترسم جنوباً خالياً من السكان

منذ أشهر، تتوسّع “خارطة الإنذارات” التي يصدرها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بحيث لم تعد تقتصر على القرى الحدودية المباشرة، بل باتت ترسم عملياً شريطاً واسعاً من المناطق المفرغة يمتد من الناقورة غرباً حتى مزارع شبعا شرقاً، بعمق يتراوح في بعض النقاط بين 5 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

في قلب هذه الخارطة تقع القرى الأمامية التي شهدت نزوحاً شبه كامل، وهي: كفركلا، العديسة، حولا، مركبا، ميس الجبل، بليدا، عيترون، مارون الراس، يارون، راميا، الضهيرة، علما الشعب، البستان، والناقورة. هذه البلدات باتت تُصنَّف عملياً ضمن “المنطقة الحمراء”، حيث تقلّص الوجود المدني إلى الحد الأدنى بسبب القصف المتكرر والإنذارات المتواصلة.

لكن خارطة الإخلاءات لا تتوقف عند هذا الخط. ففي العمق، تأثرت أيضاً بلدات تقع في الصف الثاني والثالث مثل بنت جبيل، تبنين، عيناتا، برج الملوك، القليعة، دير ميماس والخيام، إذ دفعت الغارات واتساع نطاق الاستهداف جزءاً كبيراً من السكان إلى النزوح المؤقت أو الدائم. وبهذا المعنى، أصبحت مساحة الفراغ الفعلية أوسع بكثير من حدود القرى التي تظهر مباشرة في الإنذارات الإسرائيلية.

جغرافياً، يمكن تقسيم الخارطة إلى ثلاث طبقات أساسية:

* الشريط الحدودي المباشر: يمتد على طول نحو 120 كيلومتراً بمحاذاة الخط الأزرق، ويضم القرى الأكثر تعرضاً للقصف والإخلاء الكامل تقريباً.

* الحزام الخلفي القريب: يمتد بعمق إضافي يتراوح بين 3 و5 كيلومترات، ويشمل بلدات شهدت نزوحاً واسعاً وتعطيلاً شبه كامل للحياة الاقتصادية والتجارية.

* منطقة التأثر غير المباشر: وتشمل أجزاء من صور ومرجعيون وبنت جبيل والنبطية، حيث بقي السكان موجودين لكن ضمن حالة شلل يومي نتيجة الخوف من توسّع العمليات.

وتشير تقديرات ميدانية إلى أن المساحة المتأثرة مباشرة أو شبه مباشرة بالإخلاءات والإنذارات باتت تشمل مئات الكيلومترات المربعة من جنوب لبنان، فيما تحوّلت مساحات زراعية واسعة إلى أراضٍ مهجورة، خصوصاً بساتين الزيتون والتبغ الممتدة في القطاعين الغربي والأوسط.

وتكمن خطورة هذه الخارطة في أنها متحركة وغير ثابتة. فالإنذار قد يصدر لحي أو بلدة محددة، لكن التجربة الميدانية أثبتت أن السكان يتعاملون معه كإشارة إلى احتمال توسّع الضربات نحو محيط أوسع. لذلك، غالباً ما يتجاوز النزوح حدود المنطقة المذكورة مباشرة في التحذير.

كما أن إسرائيل تعتمد في بعض الأحيان أسلوب “الإنذار بالنار”، أي تنفيذ غارات تحذيرية محدودة قبل توسيع دائرة القصف، ما يدفع السكان إلى إخلاء مناطق إضافية تلقائياً. وهذا ما جعل الجنوب يعيش عملياً تحت تأثير خريطة أمنية متبدلة يومياً، تُرسم وفق مسار العمليات العسكرية أكثر مما تُحدد بحدود جغرافية واضحة وثابتة.

في المحصلة، لم تعد القضية مرتبطة بقرية أو بلدة بعينها، بل بواقع جغرافي جديد فرضته الحرب: شريط واسع شبه فارغ سكانياً، يمتد من الحدود حتى عمق الجنوب، وتتحكم به خرائط الإنذار والإخلاء التي باتت تحدد إيقاع الحياة اليومية وحركة السكان في المنطقة.

إقرأ أيضاً: الحرب انتهت… في الإعلام الرئاسي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى