
فجر الاثنين اختبرت السلطة في لبنان مرة جديدة عدم التزام إسرائيل بوقف النار بشكل نهائي، بعدما واجهت طلباً لبنانياً متكرّراً بالتوقف عن استهداف منشآت مدنية ومدنيين، وتفجير المنازل في القرى. اليوم الأول من مدّة ال 45 يوماً من تمديد الهدنة كان كارثياً على لبنان، بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتوسيع حزامها الناري. فيما مُنيت الدبلوماسية اللبنانية مجدداً بـ"نكبة" استهتار إسرائيل بالمطالب الاميركية واللبنانية على حدّ سواء.
يبدو البيان المقتضب الصادر عن الجانب الإسرائيلي بعيد انتهاء الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة والذي جاء فيه أن "فرص نجاح المفاوضات مع لبنان كبيرة ومحادثات السلام معه كانت صريحة وبنّاءة"، لا يعكس سوى التصوّر الإسرائيلي لمسار هذه المفاوضات على قاعدة "نفاوضكم بشكل منفصل عن الميدان العسكري".
وفق مطلعين، لا تشكّ إسرائيل بأن الحزب إذا أوقفت الحرب نهائياً سيقابِل ذلك بوقف إطلاقه النار أيضاً، لكن وفق قاعدة لن يتخلّى عنها: سلاح "الحزب" خارج النقاش، وسيستفيد من الهدنة الحقيقية ليعيد تأهيل جسمه العسكري. لذلك، فإن إسرائيل لن تبادر إلى منحه هذه الفرص في هذه المرحلة.
كما أن إسرائيل، وفق المعلومات، لم تعمد في أي جولة من التفاوض إلى إبداء أي توجّه أو تلميح لاحتمال وقف ما تعتبره "دفاعاً عن النفس" في سياق الهدنة المعلنة، مؤكّدة أنّه لا يزال لديها الكثير لتفعله، طالما أنّ "الحزب" قادر على توجيه صواريخه ومسيّراته تجاهها.
المشكلة الفعلية، وفق هؤلاء، هي الضخّ المنظّم للأجواء الإيجابية من جانب القصر الجمهوري وكأن الحرب انتهت فعلاً، إضافة إلى الإيجابية التي اتسم بها البيان اللبناني الصادر عقب انتهاء المفاوضات في 15 أيار، والذي أشار إلى إحراز "تقدّم ملموس على المسار السياسي"، والحديث عن "محادثات بناءة"، واتفاق "الأطراف على تمديد اتفاق وقف الأعمال العدائية المؤرّخ في 16 نيسان لمدة 45 يوماً، بما يتيح للمسار الأمني تحسين التواصل والتنسيق بين إسرائيل ولبنان بشكل فاعل، برعاية الولايات المتحدة".
لم يذكر البيان حتى بكلمة "مطلب تثبيت الهدنة"، أو انتهاك إسرائيل لوقف إطلاق النار، وتكريسها لمسار تفجير القرى وتوسيع المنطقة العازلة وتهجير الجنوبيين. لا بل أشار إلى بقاء "الولايات المتحدة على دراية بالتحدّيات الناجمة عن الهجمات المستمّرة التي يشنها حزب الله ضد إسرائيل من دون موافقة أو مواكبة من الحكومة اللبنانية، والتي تُنفّذ بهدف عرقلة هذا المسار".
منذ 16 نيسان أطلقت بعبدا شعارها القائل "لا تفاوض مباشراً تحت النار". هذا التفاوض أنجز حتى الآن ثلاث جولات، ورابعة بطابع أمني في البنتاغون في 29 آيار، وخامسة في 2 و3 حزيران بطابع سياسي، من دون وجود أدنى ضمانة بوقف إسرائيل أعمالها العدوانية والإجرامية، إلا إذا اعتبرت الدولة أنّ تخفيض التصعيد الذي يلوّح به البعض، وقد تلتزم به إسرائيل سيشكّل إنجازاً بوجه إسرائيل.
أمس، أكد الرئيس جوزاف عون أنّ "الإطار الذي وضعه لبنان للمفاوضات، يتمثل بالانسحاب الاسرائيلي، ووقف اطلاق النار، وانتشار الجيش على الحدود، وعودة النازحين والمساعدات الاقتصادية والمالية للبنان"، قائلاً: "عليّ أن أقوم بالمستحيل وبما هو أقل كلفة كي أوقف الحرب على لبنان".
لكن فعلياً، ومنذ انطلاق المسار التفاوضي وقعت خسائر هائلة، وكأن المسعى الدبلوماسي غير قائم، إلى درجة أن جرف القرى وعملية التدمير المنهجي وسلسلة الاغتيالات وقتل عائلات بأكملها، وتوسيع إسرائيل زنار النار شمال الليطاني، بدا كل ذلك وكأنه يحصل في عز الحرب، وليس الهدنة.
إقرأ أيضاً: الأمن في ظل "نزع السلاح": تضييق على "الحزب"







