بالريشة

بين المدينة المحرّمة والسجاد الأحمر… هكذا أبهرت بكين ترامب

في الزيارات الأميركية إلى الصين، لا يُنظر إلى البروتوكول بوصفه تفصيلًا شكليًا أو مجرد إطار دبلوماسي جامد، بل باعتباره جزءًا من المعركة السياسية نفسها. فبكين تتعامل مع الصورة، وطريقة الاستقبال، وحركة الكاميرات، وحتى ترتيب المقاعد، كرسائل سيادية موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد. وقد حفلت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالكثير من الرسائل التي تضمنها البروتوكول والاحتفالات. أبرزها:

1- الاستقبال الضخم… الصين تستقبل “ندًا” لا مجرد رئيس

منذ لحظة وصول ترامب إلى الصين، حرصت بكين على إظهار مراسم استقبال استثنائية من حيث السجاد الأحمر الطويل، وحرس الشرف، وضخامة القاعات الرسمية. هذا النوع من البروتوكول لا يهدف فقط إلى التكريم، بل إلى إرسال رسالة سياسية تقول إن الصين تستقبل رئيس قوة عظمى على قدم المساواة، لا زعيمًا لدولة تتفوق عليها. بكين تدرك أن ترامب يهتم كثيرًا بالمظاهر والصور الكبرى، لذلك استخدمت الفخامة البروتوكولية لإعطائه شعورًا بالأهمية، وفي الوقت نفسه لتقديم نفسها أمام العالم كقوة مركزية قادرة على فرض هيبتها.

2- التركيز على “العلاقة الشخصية” مع ترامب

الصين تعاملت مع ترامب بطريقة مختلفة عن رؤساء أميركيين آخرين، إذ حاولت بناء صورة تقوم على العلاقة الشخصية المباشرة بينه وبين شي جينبينغ. بكين فهمت مبكرًا أن ترامب يحب فكرة “الزعيم القوي” واللقاءات المباشرة بين القادة، لذلك ركزت على مشاهد الجلسات الثنائية والعشاءات الخاصة واللقطات الودية. الهدف كان خلق انطباع بأن التفاهم بين الرجلين يمكن أن يخفف التوترات الكبرى، وأن الصين قادرة على التعامل مع ترامب عبر المجاملة الشخصية والرمزية، لا فقط عبر المؤسسات التقليدية.

3- استخدام “المدينة المحرمة” كرسالة حضارية

في إحدى أبرز المحطات الرمزية، منحت الصين ترامب معاملة نادرة داخل المدينة المحرمة في بكين. هذا لم يكن تفصيلًا سياحيًا، بل رسالة حضارية عميقة. فالصين أرادت أن تقول إن قوتها ليست اقتصادية فقط، بل تستند إلى تاريخ إمبراطوري يمتد لقرون طويلة. ومن خلال إدخال ترامب إلى هذا الفضاء الرمزي، حاولت بكين وضع نفسها في موقع “الحضارة العريقة” التي تستقبل زعيمًا غربيًا داخل قلب تاريخها السياسي والثقافي.

4- تقديم شي جينبينغ بصورة “القائد الهادئ

الإعلام الرسمي الصيني تعامل مع اللقاءات بطريقة مدروسة جدًا، إذ ظهر شي جينبينغ بصورة الزعيم الهادئ والثابت والمتحكم بالأعصاب، في مقابل شخصية ترامب الصاخبة والمعروفة بالارتجال. الكاميرات الصينية ركزت على لحظات الإنصات والهدوء والانضباط لدى شي، لإظهار تفوق النموذج الصيني القائم على الاستقرار والتخطيط الطويل المدى، مقابل السياسة الأميركية المتقلبة. هذه المقاربة ليست إعلامية فقط، بل جزء من معركة سرديات بين النظامين.

5- إعطاء ترامب ما يحبّه… من دون تنازلات كبرى

بكين أدركت أن ترامب يحب لغة “الصفقات” والانتصارات الرمزية، لذلك منحته خلال الزيارات: حفلات استقبال ضخمة، كلمات إيجابية، وعودًا اقتصادية، وصورًا توحي بالنجاح.

لكن في الجوهر، كانت الصين حذرة جدًا في تقديم تنازلات استراتيجية حقيقية، خصوصًا في ملفات التكنولوجيا والتجارة والسيادة. بمعنى آخر، حاولت بكين إدارة ترامب عبر “الإبهار الرمزي”، مع الحفاظ على ثوابتها الأساسية.

6- البروتوكول كأداة لإظهار الندية مع واشنطن

كل تفصيل في الزيارة كان يحمل رسالة ضمنية بأن العالم تغيّر. ترتيب المقاعد، توازن الأعلام، حجم الوفود، وطريقة دخول الزعيمين إلى القاعات، كلها صُممت لإظهار أن الصين لم تعد في موقع التابع للولايات المتحدة. بكين أرادت ترسيخ فكرة أن العلاقة باتت بين قوتين عظميين متساويتين، وأن واشنطن لم تعد الطرف الوحيد الذي يفرض قواعد اللعبة الدولية.

7- الحذر من مفاجآت ترامب

رغم كل الحفاوة، تعاملت الصين بحذر شديد مع ترامب بسبب شخصيته غير المتوقعة. بكين تعلم أن أي تصريح مرتجل أو تصرف مفاجئ قد يقلب الرسائل السياسية رأسًا على عقب، لذلك كانت اللقاءات شديدة التنظيم والانضباط، مع ضبط دقيق للظهور الإعلامي والأسئلة واللقطات. الصين حاولت احتواء “الفوضى الترامبية” داخل إطار بروتوكولي صارم يمنع أي إحراج أو مشهد قد يُفسَّر كإهانة رمزية لها.

8- الصين تريد اعترافًا بمكانتها العالمية

في العمق، لم تكن بكين تسعى فقط إلى توقيع اتفاقات مع ترامب، بل إلى انتزاع اعتراف أميركي ضمني بأن الصين أصبحت قطبًا عالميًا مكافئًا للولايات المتحدة. لذلك، كان البروتوكول جزءًا من معركة الهيبة الدولية، حيث أرادت الصين أن تُظهر نفسها ليس كدولة صاعدة فحسب، بل كقوة عظمى عادت إلى موقع تعتبره “طبيعيًا” في قيادة العالم.

إقرأ أيضاً: ترامب في الإعلام الصيني… زعيم مثير للجدل أم تهديد استراتيجي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى