
على غير عادته، تحاشى الرئيس نبيه بري لدى دخوله وخروجه إلى القصر الجمهوري في المرة الأخيرة، رصده من قبل الكاميرات والإعلاميين المعتمدين في بعبدا؛ إذ قام إعلام القصر بتوزيع فيديو مقتضب عن الزيارة التي دامت نحو 40 دقيقة، وتمّ تضمين البيان الرسمي الصادر عن الزيارة بأن "بري قال بعد اللقاء أنّه كان مرتاحاً".
تعكس هذه التفاصيل الصغيرة جزءًا من مشهد أكبر لأكثر من اعتبار:
أولاً: بري غير مرتاح إطلاقاً، لا بل هو مهجوس بواقع يرى أنّه قد يحتاج إلى سنوات طويلة لتغييره. فليس من زائر يدخل عين التينة إلا ويخرج بانطباع أن بري مثقل بهمّ "الجرف الإجرامي" الذي تقوم به إسرائيل لمنازل ومناطق الجنوب، وهو ما لم يحدث طوال سنوات المواجهة والحرب مع إسرائيل بهذه الضخامة وفي رقعة جغرافية هائلة، قد تجعل الجنوبيين أمام "دائرة مسطّحة" عند عودتهم إلى قراهم.
ثانياً: بعدما كرّرها بري أكثر من مرة، وصرّح بها لوسائل إعلامية قائلًا: "خلّيهم يحطوا على عيني، ويأتوا بالحلّ عبر وقف إطلاق النار النهائي والانسحاب الإسرائيلي، من خلال مسار التفاوض، وأنا معهم"، قَلَبَ بري الآية هذه المرّة وقال أمام الحلقة الضيقة من أهل البيت: "إنّ ما توقعه حصل، وكل التفاهمات حتى الآن برعاية أميركية لم تؤد إلى الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتمادية التي تجاوزت حدود كل منطق بشري وإنساني وأخلاقي، لا بل إن هاجس الحرب قد يتجدّد من خلال إصرار إسرائيل على الاستيلاء على مرتفعات علي الطاهر".
ثالثاً: وفق المعلومات، لا يؤيّد بري تصريحات بعض قياديي "حزب الله" التي تتجاوز الحدود في كثير من الأحيان، ويرى أن المرحلة تقتضي أعلى درجات ضبط النفس. يخشى بري من أن تعكس زيارته إلى القصر الجمهوري مناخات توحي بفصل المسار بينه وبين الحزب، وهذا أمرٌ يؤكد بري أمام كل زواره "أنّه غير وارد"، لكنه يضع يده على قلبه مخافة أن "يتورّط الحزب مجدداً بأي انخراط عسكري في المواجهة القائمة، في حال توسّع المواجهة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية، وهو ما يرفضه تماماً".
رابعاً: وصفة العلاج المثالية بالنسبة لبري هي الآتية: "تكاتف أميركي-إيراني-سعودي إلى جانب لبنان يؤمّن مسار الخروج من الحرب، وشرطه الأول الانسحاب الإسرائيلي، والرهان دائماً على نتائج المفاوضات الأميركية-الإيرانية، خصوصاً أن نتنياهو قد لا يكون بوارد الإقدام على أي خطوة لصالح لبنان، على مسافة أشهر قليلة من الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل".
خامساً: إلى حين حصول ذلك، يضغط بري باتجاه عدم تقديم مزيد من التنازلات للإسرائيليين والأميركيين، معتبراً أن تجربة المنطقة التجريبية الأولى كانت سيئة وليست لمصلحة لبنان، بل دفعت الجيش إلى تعزيز الانتشار في بلدات غير محتلة، ودخول زوطر الغربية للمرة الأولى بعد الحرب، لكن ليس لأن الإسرائيلي انسحب منها، بل لأنه تراجع عن أطرافها، مع العلم أن الجيش تعرّض للاعتداء الإسرائيلي خلال الانتشار في زوطر الغربية.
في مناسبة عيد الجيش، أطلق بري مواقف واضحة بهذا الاتجاه وعالية السقف، حين قال: "الجيش اللبناني هو النموذج الذي يَمتحِن ولا يُمتحَن، يَختبِر ولا يُختبَر في الوحدة والهوية والانتماء والتضحية والوفاء، دفاعاً عن لبنان الوطن الواحد الموحّد النموذجي الذي يتطلّع إليه اللبنانيون، لا المناطق النموذجية التي يُرسّم حدودها المحتلّ الإسرائيلي بالنار والقتل والدمار".
سادساً: عقب لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الثلاثاء، عمّمت أوساط إسرائيلية تأكيدات بأن ترامب لم يطلب من نتنياهو الانسحاب من أي منطقة يسيطر عليها، وسط غموض لا يزال يلفّ حتى الآن نتائج هذا اللقاء على الملف اللبناني، سيما مع تأكيد نتنياهو بأن "اجتماعه مع ترامب كان من أفضل اللقاءات على الإطلاق".
في هذا السياق، تقول معلومات "الصوت نيوز" إن عون أكد لبري أن أهمّ ما ناله لبنان حتى الآن، هو الضغط الأميركي على نتنياهو كي لا يكمل في حربه وإلا لكان وصل إلى نهر الأولي"، مراهناً، أي عون، على مزيد من الضغط الأميركي كي تقوم إسرائيل بتحديد مناطق تجريبية لبلدات جنوبية محتلّة بالكامل، والانسحاب منها إفساحاً في المجال أمام دخول الجيش وانتشاره.
إقرأ أيضاً: الفريق العسكري الأميركي لم يحط في بيروت







