
دخل ملف انفجار مرفأ بيروت مرحلة مفصلية، بعدما سلّم المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، صباح الثلاثاء، المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مطالعته النهائية في الملف، والتي بلغ حجمها نحو 270 صفحة "فولسكاب"، تمهيداً لإصدار القرار الاتهامي المرتقب. وتُطوي هذه الخطوة مرحلة طويلة من التباين الذي كان قائماً بين البيطار والنيابة العامة التمييزية، قبل أن يُكلَّف القاضي صعب رسمياً بإعداد المطالعة بالأساس.
بحسب ما يتردد، تضمّنت المطالعة اتهاماً للرئيس السابق ميشال عون بالإهمال، في إطار تحديد مسؤوليات نحو 70 مدعى عليهم تتوزع بين القصد الاحتمالي للقتل، والإهمال، والتقصير، والإخلال بواجبات الوظيفة. ويستند هذا الجانب من الاتهام إلى واقعة تلقّي عون تقريراً من المديرية العامة لأمن الدولة بتاريخ 20 تموز 2020، أي قبل الانفجار بأسابيع، يحذّر من وجود شحنة كبيرة من مادة "نترات الأمونيوم" مخزّنة في أحد عنابر المرفأ.
كان عون قد قدّم، يوم الأربعاء الذي أعقب انفجار الرابع من آب 2020، رداً على ما تناقلته تقارير إعلامية حول علمه المسبق بوجود هذه الشحنة، مؤكداً حرصه على أن يأخذ التحقيق مداه الكامل، فيما أوضحت المديرية العامة لرئاسة الجمهورية، حينها، أنه فور إبلاغ الرئيس عون بالتقرير، قام مستشاره العسكري والأمني بإخطار الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع بهذا التقرير من أجل اتخاذ اللازم، الذي أحاله بدوره إلى المراجع المختصة.
تكمن نقطة الاتهام بالإهمال، بحسب ما يتردد عن مضمون المطالعة، في أن مجرّد إحالة التقرير عبر هذه السلسلة من الإخطارات، من دون متابعة تنفيذ إجراءات سريعة وفعلية لإخراج المادة الخطرة من المرفأ خلال الأسابيع الفاصلة، لا يُعفي صاحب القرار من المسؤولية، خصوصاً أن حجم الخطر المُبلَّغ عنه كان يستوجب تحركاً استثنائياً لا إحالة روتينية انتهت دون أي إجراء فعلي قبل وقوع الكارثة. وسيتولى البيطار الآن دراسة مطالب النيابة العامة التمييزية تمهيداً لإصدار قراره الاتهامي النهائي.
بضمّ الرئيس ميشال عون إلى الملف، يُفهم أنّ القاضي صعب حمّل المنظومة السياسية برمتها والتي كانت تحكم في تلك الفترة مسؤولية مباشرة من خلال اتهام عناصرها بالتقصير. وهذا يعني أنّ الكشف عن تفاصيل المطالعة سيسلّط ضوء المساءلة على الكثير من الوجوه السياسية.
إلى ذلك، يُرجَّح أن يعيد ضمّ الرئيس السابق ميشال عون إلى لائحة المقصّرين في مطالعة القاضي محمد صعب فتح واحد من أكثر الملفات القانونية إشكالية منذ اليوم الأول لانفجار المرفأ: مسألة صلاحية "المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء". فهذه الهيئة الدستورية، المنصوص عليها في المادة 80 من الدستور، سبق أن تمسّك بها عدد من السياسيين المدعى عليهم في الملف بحجة أن محاكمة الوزراء عن أفعال مرتبطة بوظائفهم لا تقع أصلاً ضمن صلاحية القضاء العدلي، بل تستوجب اتهاماً من مجلس النواب بأغلبية الثلثين وإحالة إلى هذا المجلس حصراً.
أمام هذا الإخفاق العملي، لجأ المسؤولون المدعى عليهم إلى مسار بديل أكثر فعالية في التعطيل: تقديم سلسلة متتالية من دعاوى ردّ القضاة، وتحديداً ضد المحقق العدلي طارق البيطار، وهو ما نجح فعلاً في تعليق التحقيق مراراً بين عامي 2021 و2022، خلافاً لمسار "المجلس الأعلى" الذي بقي حبراً على ورق.
إقرأ أيضاً: انفجار المرفأ: قِربِت الحقيقة!




