
في زحمة المنتخبات العريقة التي تتنافس على لقب كأس العالم، يقف المنتخب الأميركي في موقع فريد من نوعه: لا يحمل ثقل الماضي الذهبي كالبرازيل والأرجنتين، ولا يرزح تحت وطأة التوقعات المُجهِدة كفرنسا وإنكلترا، لكنه في الوقت ذاته لم يعد الوجه الطارئ الذي يُكتفى بالتصفيق له ثم يُودَّع مبكراً. إنه منتخب يتحوّل أمام أعيننا، وبطيء التحوّل لكنه حقيقي.
الذاكرة الأميركية في كأس العالم تبدأ بلمعة مبكرة ثم انقطاع طويل؛ إذ حقق المنتخب المركز الثالث في نسخة 1930 الأولى في التاريخ، ثم غاب عن المشهد عقوداً. لكن منذ عودته إلى النخبة في التسعينيات، بدأ يرسم مساراً تصاعدياً لا يخلو من انتكاسات. بلوغ دور الستة عشر في جنوب أفريقيا 2010 وفي قطر 2022 يؤشر إلى استقرار نسبي، غير أن ما يُميّز الجيل الراهن عن سابقيه هو نوعية اللاعبين لا مجرد حضورهم. فلأول مرة في تاريخ المنتخب، يتنافس نجومه الأساسيون في صفوف أكبر الأندية الأوروبية، مكتسبين خبرة المعارك الحقيقية أسبوعاً بعد أسبوع.
القوة الجسدية والكثافة في الضغط ليستا ميزتين عاديتين؛ فالمنتخب الأميركي يُنهك خصومه بإيقاع عالٍ يصعب تحمّله لتسعين دقيقة كاملة. تُضاف إليهما خطورة الأجنحة في لعب الانتقال وفي المواجهات الفردية، وهو ما يجعل كل كرة مفقودة في الوسط تُهديداً محتملاً على مرمى أي منافس. أما روح الفريق وأخلاقيات العمل الجماعي، فتلك سمة أميركية بامتياز، وكثيراً ما عوّضت الفجوة التقنية مع المنتخبات الأكثر موهبة.
في قلب هذا الفريق يقف كريستيان بوليسيتش قائداً وقلباً نابضاً، لاعب يجمع بين الهدف والصنعة والحضور القيادي في أشد اللحظات حساسية. خلفه يعمل تايلر آدامز حارساً للعمق الدفاعي، فيما يضخّ ويستون ماكيني طاقة لا تنضب بين الخطوط. ويبقى جيوفاني رينا البطاقة الأكثر إبداعاً، ذلك اللاعب القادر على فتح أقفال الدفاعات المنظمة بلمسة مغايرة. في الظهير الأيسر، يمثّل أنتوني روبنسون ثباتاً وخطراً مزدوجاً في آنٍ معاً.
لكن الصورة لا تخلو من ظلال؛ فعمق التشكيلة لا يرقى إلى مستوى المنتخبات الكبرى حين يُضطر المدرب للتغيير، وهو فارق يُشعر به في المباريات الطويلة والمتعددة. كذلك يظل الإنهاء إشكالية متكررة: فرص تُصنع ثم تُهدر، وأهداف كان يجب أن تُسجَّل فلا تُسجَّل في أحرج اللحظات. ويزيد على ذلك أن كثيراً من اللاعبين لم يخوضوا بعد مباريات الإقصاء الكبرى ذات الضغط الاستثنائي، حيث تتكشّف الشخصيات الحقيقية للمنتخبات.
2026: الفرصة التي لن تتكرر
ثمة عامل واحد يُقلب كل المعادلات: الملعب. حين تلعب على أرضك، أمام جمهورك، في بطولة بلدك، يتغير شيء ما في الروح قبل الجسد. واستضافة الولايات المتحدة لمونديال 2026 رفقة كندا والمكسيك تمنح المنتخب الأميركي ورقة ضغط نفسي لا تُقدَّر بثمن. الهدف الواقعي هو ربع النهائي أو نصف النهائي، وهو إنجاز سيُعدّ تاريخياً. أما الفوز بالكأس، فيبقى حلماً لا يمكن استبعاده رياضياً، لكنه يتطلب أن يتزامن كل شيء في اللحظة ذاتها: بوليسيتش في أفضل حالاته، الوسط متماسك، الدفاع صامد، والقدر مُسالم.
إقرأ أيضاً: نهائي الأحلام الأوروبية: "باريس سان جيرمان" ضدّ "أرسنال"







