قصة صغيرة

جنوب لبنان: الخط الأصفر يرسم وجهاً جديداً للاحتلال

منذ اندلاع الحرب من جديد في شباط 2026، باتت أجزاء واسعة من جنوب لبنان تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة أو في مرمى منظومة إخلاء ممنهجة تستهدف تفريغ المنطقة من سكانها. تحوّل هدم القرى الحدودية إلى سياسة ميدانية قائمة على إزالة البنية العمرانية بشكل منهجي، بما يمنع إعادة الترميم أو عودة السكان في المستقبل القريب.

أفرز الغزو الإسرائيلي معطىً ميدانياً جديداً تمثّل في ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر". أحكم الجيش الإسرائيلي سيطرته على نحو 602 كيلومتر مربع من جنوب لبنان، أي ما يعادل 5.8% من مساحة البلاد، وأعلنها منطقة عازلة محظورة على السكان، يحدّها من الشمال هذا الخط الأصفر الذي يحول دون عودة أصحاب الأرض إلى 55 بلدة وقرية واقعة خلفه. ويمتد هذا الخط على عمق يبلغ نحو 10 كيلومترات شمال الحدود في المتوسط، وإن كان يتفاوت من قطاع إلى آخر.

تمثّل بنت جبيل نقطة ارتكاز جغرافياً وعسكرياً، وتستمد أهميتها الاستراتيجية من موقعها كمفتاح للممرات البرية من وادي السلوقي حتى وادي الحجير وصولاً إلى نهر الليطاني. وإلى جانبها تقع عيتا الشعب ومارون الرأس وميس الجبل وبليدا وعيترون والناقورة ويارين، كلها بلدات دخلتها أو طوّقتها قوات الاحتلال.

الجرف المنهجي للقرى

تحوّلت قرى بأسرها إلى أطلال؛ محلات تجارية مفجّرة، ومنازل انهارت على نفسها، ومساجد احترقت مآذنها. قرية منصوري، الواقعة على بُعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود، باتت تقع على بُعد أمتار من الخط الأصفر بعد أن جرفتها آليات الاحتلال. ويصف الصحفيون الميدانيون ما يجري بأنه تحويل القرى إلى "مناظر قمرية"، مستشهدين بتصريحات الجيش الإسرائيلي الذي يستخدم صراحةً مصطلح "التطهير" لوصف عملياته هناك.

جاء وقف إطلاق النار في السادس عشر من نيسان 2026 بوساطة أميركية، وأُريد له أن يكون هدنة لعشرة أيام تفتح الباب أمام مفاوضات أشمل. غير أن الهدنة لم تُترجَم إلى هدوء فعلي على الأرض. إذ سارعت القوات الإسرائيلية فور الإعلان عنها إلى تصعيد عمليات الهدم وتسوية الأرض في المناطق الحدودية، في انتهاك صريح لبنودها.

مليون نازح في انتظار العودة

تجاوز عدد النازحين اللبنانيين مليون شخص، أي ما يقارب خُمس سكان لبنان، معظمهم عاجزون عن العودة بسبب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وحظر الاقتراب من المناطق المحتلة. وتكشف الخريطة الميدانية أن ما يجري ليس مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل احتلال منظّم أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي صراحةً أن السكان المدنيين لن يُسمح لهم بالعودة ما لم يُهزم حزب الله هزيمةً كاملة، وهو ما يضع الأزمة في سياقها الأوسع كمشروع لتغيير وجه الجنوب اللبناني جغرافياً وديموغرافياً، يستحضر أشد فصول الاحتلال قتامةً في التاريخ اللبناني الحديث.

إقرأ أيضاً: "الحزب" ضمن الوفد الإيراني؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى