
في تطور خطير للصراع في المنطقة، أعلنت جماعة الحوثي (أنصار الله) في اليمن، عبر المتحدث العسكري باسمها يحيى سريع، تنفيذ هجوم واسع على منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في مدينتي جازان وينبع يوم السبت 25 يوليو/تموز 2026، باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والمجنّحة والمسيّرات. وقد رصدت بيانات الأقمار الصناعية التابعة لناسا بؤراً حرارية كبيرة عند مصفاة جازان، فيما أظهرت لقطات ميدانية أعمدة دخان كثيفة تتصاعد من الموقع.
جاء الهجوم ردًا - بحسب البيان الحوثي - على غارات جوية سعودية استهدفت مدينة الحديدة اليمنية وجزيرة كمران، في إطار ما وصفه المتحدث الحوثي بـ"معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد".
ولم يتوقف التصعيد عند جازان وينبع؛ إذ أفادت تقارير بأن طائرات مسيّرة استهدفت في 27 يوليوتموز منشأة أبقيق - أكبر محطة لتثبيت النفط الخام في العالم - إلى جانب محطة ضخ الأنابيب الشرقية-الغربية، ما يوسّع دائرة الاستهداف لتشمل بنية تحتية نفطية أكثر حساسية استراتيجيًا من مصفاة جازان نفسها.
انعكس التصعيد فورًا على أسواق النفط العالمية؛ إذ قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز عتبة المئة دولار للبرميل للمرة الأولى منذ فترة، مسجلة ارتفاعًا يقارب 40% خلال يوليو وحده، وسط مخاوف من تعطل صادرات السعودية عبر ميناء ينبع، الذي بات يشكّل الممر التصديري شبه الوحيد للخام السعودي بعد إغلاق مضيق هرمز، محمّلاً وفق بيانات التتبع البحري نحو 92% من الصادرات البحرية السعودية في يونيو الماضي. هذا الواقع يجعل أي ضربة تطال ينبع أو أبقيق أكثر خطورة من الناحية الاستراتيجية مقارنة بأي هجوم سابق على منشآت أرامكو المتفرقة.
هذا ليس أول استهداف لمنشآت أرامكو؛ ففي 2 مارس/آذار 2026، تعرضت مصفاة رأس تنورة - الأكبر في السعودية - لهجوم بطائرة مسيّرة اتُّهمت إيران بتنفيذه، ما أدى إلى إغلاقها مؤقتًا لأسباب أمنية وتوقف تصدير الغاز المسال لأسابيع. وقبل ذلك، يبقى هجوم سبتمبر 2019 على منشأتي أبقيق وخريص الأشهر في تاريخ استهداف أرامكو، حين تسبب بتعطيل نحو نصف الإنتاج النفطي السعودي مؤقتًا. هذه السوابق تُظهر نمطًا متكررًا من استخدام المنشآت النفطية السعودية كورقة ضغط في صراعات إقليمية متشابكة، بما يعكس هشاشة البنية التحتية النفطية أمام التصعيد العسكري المستمر في المنطقة.
رغم أن كلا الحادثين استهدفا منشآت أرامكو، فإن حجم التداعيات وطبيعتها يختلفان بشكل جوهري بين الهجومين:
من حيث الجهة المنفذة وطبيعة التصعيد: هجوم 2 مارس/آذار 2026 على مصفاة رأس تنورة نُسب إلى إيران مباشرة (رغم نفيها)، وجاء في سياق حرب إقليمية أوسع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة والسعودية من جهة أخرى، أي أنه كان جزءًا من مواجهة دولة-دولة. أما الاعتداء الأخير فمصدره جماعة الحوثي في اليمن، ويندرج ضمن صراع ثنائي محدد جغرافيًا (السعودية-الحوثيون)، لكنه يحمل في طياته خطر انزلاق اليمن إلى حرب متجددة بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة الأمم المتحدة لعام 2022.
من حيث حجم الضرر المادي المعلن: اقتصر الضرر في هجوم رأس تنورة على "أضرار طفيفة" بحسب البيانات الرسمية، دفعت المصفاة لوقف عملياتها احترازيًا دون توقف إنتاج فعلي كبير. أما في الاعتداء الأخير، فقد تكرر الاستهداف على مدى ثلاثة أيام متتالية (جازان، ثم ينبع، ثم أبقيق ومحطة الضخ الشرقية-الغربية)، وأظهرت صور الأقمار الصناعية الأوروبية حريقًا مستمرًا في أحد صهاريج جازان حتى 27 يوليو/تموز، أي بعد يومين كاملين من الضربة الأولى - وهو ما يشير إلى صعوبة أكبر في احتواء الحريق مقارنة بحادثة مارس/آذار.
من حيث الأثر على التصدير وسلاسل الإمداد: في مارس/آذار، أدى الإغلاق المؤقت لرأس تنورة إلى وقف صادرات البروبان والبيوتان لعدة أسابيع، مع إعادة توجيه جزئية للصادرات عبر البحر الأحمر - أي أن بدائل التصدير كانت لا تزال متاحة نسبيًا. أما اليوم، فقد بات ميناء ينبع يشكّل الممر التصديري شبه الوحيد للخام السعودي بعد إغلاق مضيق هرمز، إذ حملت عبره وفق بيانات التتبع البحري نحو 92% من الصادرات البحرية السعودية في يونيو/حزيران الماضي. هذا يعني أن أي ضرر جدي يلحق بينبع تحديدًا يهدد بشل الصادرات النفطية السعودية بأكملها تقريبًا، دون وجود ممر بديل ثالث، بخلاف الوضع في مارس حين كانت هناك مرونة أكبر في إعادة التوجيه.
من حيث رد فعل الأسواق: تسبب هجوم مارس/آذار في ارتفاع حاد لكن مؤقت نسبيًا في أسعار النفط، سرعان ما تراجع مع تأكد محدودية الأضرار. أما الاعتداء الأخير فأدى إلى قفزة أكثر حدة واستمرارية، إذ تجاوز خام برنت عتبة المئة دولار للبرميل، مسجلاً ارتفاعًا يقارب 40% خلال شهر يوليو وحده، مدفوعًا بتزامن إغلاق هرمز مع التهديد المباشر لينبع - وهو ما وصفه بعض المحللين بـ"الفخ المزدوج" الذي يحاصر الصادرات السعودية من جهتين في آن واحد.
إقرأ أيضاً: السعودية تدخل العصر النووي السلمي بشراكة أميركية استراتيجية







