
لم يحتج محمد صلاح إلى وقت طويل ليؤكد أن انتقاله إلى تركيا ليس مجرد فصل أخير في مسيرته، بل ربما بداية مرحلة جديدة من التألق. ففي ثالث مباراة يبدأها أساسياً مع طرابزون سبور، قاد النجم المصري فريقه إلى فوز كاسح على غنتشلربيرليغي بنتيجة 5-0، بعدما سجل هدفاً وصنع آخر، وترك بصمته مجدداً في دوري بات يبدو وكأنه مسرح جديد لأرقام «الفرعون».
صلاح افتتح التسجيل من ركلة جزاء في الدقيقة 14، قبل أن يعود في الشوط الثاني ليصنع الهدف الرابع لزميله إرنست موتشي في الدقيقة 59. وبين الهدف والصناعة، لم يكن حضوره مجرد لمسة حاسمة في مباراة سهلة، بل كان أحد أبرز مفاتيح الأداء الهجومي لطرابزون، إذ صنع ست فرص للتسديد، وهو الرقم الأعلى بين جميع لاعبي المباراة، كما سدد مرتين على المرمى ولمس الكرة 12 مرة داخل منطقة جزاء المنافس.
لكن الرقم الأكثر إثارة جاء خارج تفاصيل المباراة نفسها. ووفق بيانات «أوبتا»، أصبح صلاح أول لاعب أجنبي يسجل أربعة أهداف في أول ثلاث مباريات يبدأها أساسياً بقميص طرابزون سبور منذ موسم 2000-2001، أي منذ بدء الشبكة المتخصصة بجمع بيانات الدوري التركي. وبذلك لم يعد الحديث عن بداية جيدة للاعب المصري، بل عن بداية تدخل سريعاً في سجلات الدوري.
والمفارقة أن صلاح لم يصل إلى تركيا وهو يبحث عن إثبات نفسه من الصفر. لقد وصل بعد تسعة مواسم حافلة مع ليفربول، وبعد سنوات وضعته بين أبرز نجوم كرة القدم العالمية. ومع ذلك، كان انتقاله إلى طرابزون يحمل قدراً كبيراً من الأسئلة: هل يستطيع اللاعب البالغ 34 عاماً الحفاظ على مستواه؟ وهل سيجد في الدوري التركي المساحة والسرعة المناسبتين لاستعادة أفضل نسخة منه؟ وهل سيكون الانتقال خطوة إلى الوراء أم فرصة لبناء إرث جديد؟
البداية حتى الآن تميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني. ففي مباراته الأولى في الدوري، دخل صلاح بديلاً أمام قاسم باشا، قبل أن يبدأ أساسياً في المباراة التالية ويسجل هدفين في الفوز على إسطنبول باشاك شهير 2-1. ثم جاء العرض الثالث أمام غنتشلربيرليغي ليجمع بين التسجيل والصناعة. وبحسب «أوبتا»، فإن الجمع بين الهدف والتمريرة الحاسمة في مباراة بالدوري لم يتحقق لصلاح منذ مواجهة ليفربول ومانشستر سيتي في شباط 2025.
واللافت أيضاً أن تأثير صلاح لا يقتصر على الملعب. منذ وصوله، تحوّل اللاعب إلى ظاهرة جماهيرية وتجارية بالنسبة إلى طرابزون سبور، مع اهتمام كبير بقميصه وحضوره في المدينة والنادي. وهو أمر متوقع بالنسبة إلى لاعب يحمل إرثاً ضخماً من الدوري الإنكليزي ودوري أبطال أوروبا، لكنه يكتسب أهمية إضافية لنادٍ تركّز قوته تاريخياً على جمهوره المحلي.
أما على أرض الملعب، فالمؤشرات الأولية تقول إن صلاح وجد البيئة التي تسمح له بأن يكون محور الهجوم. وفي مباراة باشاك شهير، سجل هدفين في أول مشاركة أساسية له، بينما أمام غنتشلربيرليغي سجل وصنع وشارك في بناء الهجمات بصورة مستمرة.
لكن الحكم النهائي لا يزال مبكراً. ثلاثة مباريات لا تكفي لإعلان نجاح تجربة كاملة، كما أن الدوري التركي سيختبر قدرة صلاح على المحافظة على هذا الإيقاع عندما تتراكم المباريات والضغوط، وتصبح الفرق أكثر حذراً في التعامل معه.
مع ذلك، فإن الرسالة الأولى واضحة: محمد صلاح لم يذهب إلى تركيا ليختفي من المشهد الأوروبي، بل دخلها وكأنه يريد أن يثبت أن الأرقام لا تعرف العمر.
إقرأ أيضاً: بنزيما إلى الاعتزال… وهذه المرّة جدياً







