قصة كبيرة

"ميني حكومة" في المتحف!

منذ تعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء في شباط 2025 يُداوم الوزير طارق متري في "مقرّ مجلس الوزراء" في المتحف، كاسراً الحظر جزئياً على تطبيق أحد بنود الطائف، باعتماد مقرّ خاص لمجلس الوزراء يجتمع فيه الوزراء برئاسة رئيس الحكومة، ورئيس الجمهورية حين يحضر "فيترأس".

يمكن القول، فعلياً، إنّ جزءاً كبيراً من ورش العمل المفتوحة في رئاسة الحكومة انتقلت من السراي إلى المتحف، حيث يداوم متري. يَحضر الوزراء بشكل دائم إلى المقرّ، ويشاركون في نقاشات اللجان الوزارية التي يرأسها متري ومنها اللجنة الوزارية المرتبطة بآلية تنسيق التحوّل الرقمي في القطاع العام، اللجنة الوزارية حول ملفّ النازحين السوريين، اللجنة الوزارية المعنية بملفّ الحوار مع الاتحاد العمالي العام، اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، اللجنة الوزارية للبحث في قانون الانتخاب، الخلية الوزارية الاقتصادية لمناقشة تخفيف الكلفة المعيشية والاقتصادية…

تكاد أجندة طارق متري تخلو من ساعة راحة. لهذا الأمر مبرّراته الموضوعية. الرجل الآتي من خلفية يسارية، المثقّف جداً، والمثقل بوعي سياسي، المُدعّم بتجارب وزارية منتجة في عدة حقائب وزارية، بينها وزير خارجية بالوكالة، الممثّل الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، الوجه الوزاري الوحيد المستقلّ و"المسيّس" في الحكومة، إلى جانب زميله وزير الثقافة غسان سلامة مقارنة بالوجوه الحزبية أو شبه الحزبية أو "التابعة" سياسياً داخل الحكومة، الرجل الذي كان خياراً حتمياً في الحكومة من قبل "صديقه" نواف سلام، "دولته" بات يمتلك ما يكفي من حيثية سياسية بعد عام وسبعة أشهر من عمر الحكومة كي يُقال "هناك حكومة… وهناك طارق متري"!

يبرز ذلك بشكل أوضح حين يحضر بمواقفه المتحفّظة، مع مراعاة كاملة للتضامن الوزاري، حيال عدّة ملفات حسّاسة منها ملف المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، الاتفاقات الموقّعة مع إسرائيل، النقاشات حول الإصلاحات المالية والاقتصادية والمصرفية، وعدّة ملفات وزارية أساسية. يستطيع الرجل أن يكون هو نفسه، متماهياً مع قناعاته، من دون تجاوز ضوابط "التحفّظ"، فقد يكون الأكثر زهداً بين الوزراء، ولا يعاني من "حرج" يقيّد الآخرين، وبالتأكيد ليس ساعياً لمقعد نيابي ولا "تمديد" لولاية وحدها الظروف السياسية ستقرّر مصيرها ومصير الحكومة برمّتها، ولا يزين مواقفه بما يرضي الأوصياء الجدد!

"الحكيم" كما يُسمّيه رئيس الحكومة كان من الشخصيات السياسية التي فوجئت بعدم تطرّق رئيس الحكومة بكلمته أمام الجمعية العامّة للأمم المتحدة إلى ما ترتكبه إسرائيل من جرائم إبادة وضد الانسانية في الجنوب، بحيث لم يتضمّن خطاب سلام أي إشارة إلى إدانة لبنان لهذه الارتكابات الهمجية، أو إظهار صور من على منبر الأمم المتحدة تُبرز فظاعة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في جنوب لبنان.

قبل أن يستقرّ الوزير متري في مقرّ مجلس الوزراء في المتحف، مع انطلاق أعمال الحكومة، حاول الرئيس سلام تطبيق أحد بنود الطائف باعتماد مقرّ خاص لمجلس الوزراء، لكن "صرخة" القصر الجمهوري "طلعت" لسببين أساسيين:

1- العامل الأمني الذي يمنع رئيس الجمهورية من التحرّك وفق مسار ثابت ومعروف ومحدّد سلفاً،

2- المقرّ نفسه الذي يقع في منطقة "تُحاصَر" مداخلها يومياً بطوابير السيارات، وعجقة السير، وهي منطقة لا تسمح باستيعاب مواكب رؤساء ووزراء. اقترح سلام تغيير الـ location، لكن رفض بعبدا بقي ثابتاً، فتمّ صرف النظر عن الموضوع.

الوزير متري، من جهته، اتّخذ من المقرّ مكان عمله الحكومي، ولقاءاته شبه اليومية مع الوزراء، وترؤسه للجان الوزارية، إضافة إلى المهمّة الأصعب بتوثيق انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي الإنساني، وأرشفتها في تقارير تعمّم في مراكز القرار في الخارج، وترسل إلى المعنيين في الداخل. يتحدّث في مجالسه عن الدور وليس المنصب، طالما منصب نائب رئيس الحكومة غير منصوص أصلاً عنه في الدستور اللبناني. فيبقى الهامش واسعاً لـ "تفعيل" الدور، وترك بصمة، حيث لا بصمات للآخرين ممّن تعاقبوا على الموقع.

إقرأ أيضاً: مصير المحكومين السوريين… على مائدة الغداء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى