بالريشة

ماذا عن قانون العقوبات في جرم التواصل مع العدو؟

في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأميركية على لبنان لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، الصادر عام 1955، تبرز إشكالية قانونية تتجاوز حدود هذا التشريع إلى منظومة أوسع من القوانين التي تنظّم العلاقة مع الدولة العبرية. فإذا كان إلغاء قانون المقاطعة، في حال حصوله، سيفتح الباب أمام إعادة النظر في القيود المفروضة على التعاملات التجارية والاقتصادية، فماذا عن قانون العقوبات اللبناني الذي يتضمّن مواد تجرّم أشكالاً محدّدة من الاتصال بالعدو والتعامل معه؟ وهل يكفي إلغاء قانون المقاطعة لإتاحة التواصل المباشر بين اللبنانيين والإسرائيليين، أم أن الأمر يستدعي تعديلات إضافية على قانون العقوبات، ولا سيما المواد 275 و278 و285؟

إنها أسئلة تطرح نفسها في ظلّ الحديث عن الضغوط الأميركية، وتكشف أن الانتقال من المقاطعة إلى أي شكل من أشكال العلاقات مع إسرائيل لا يرتبط بقرار سياسي فحسب، بل يواجه أيضاً منظومة قانونية متكاملة، بعضها يتصل بالتعامل الاقتصادي، وبعضها الآخر بأمن الدولة والاتصال بالعدو.

يعود قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان إلى 23 حزيران 1955، عندما أقرّه مجلس النواب في عهد رئيس الجمهورية كميل شمعون، وفي ظلّ حكومة الرئيس سامي الصلح. وقد شكّل القانون إحدى الركائز التشريعية التي نظّمت علاقة لبنان بإسرائيل، وفرضت حظراً واسعاً على التعامل معها تجارياً ومالياً، وعلى أشكال أخرى من التعامل المباشر وغير المباشر.

جاء التشريع اللبناني منسجماً مع سياسة المقاطعة العربية التي اعتمدتها جامعة الدول العربية، ولا سيما المبادئ التي أقرّها مجلس الجامعة عام 1951. وكان الهدف منع وصول المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق العربية، والحدّ من العلاقات الاقتصادية التي قد تسهم في دعم الاقتصاد الإسرائيلي.

تُعدّ المادة الأولى من قانون عام 1955 الأبرز، إذ تحظر على الأشخاص والمؤسسات عقد أي اتفاق، مباشرة أو بالواسطة، مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، سواء تعلّق الأمر بصفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر، أياً كانت طبيعته.

ويمتدّ الحظر، وفق الشروط التي يحدّدها القانون، إلى شركات ومؤسسات لديها مصانع أو فروع تجميع أو وكالات عامة في إسرائيل.

أما المادة الثانية، فتحظر إدخال المنتجات والسلع الإسرائيلية إلى لبنان أو الاتجار بها، حتى عندما تصل عبر دولة ثالثة، وتشمل المنتجات التي تدخل مواد إسرائيلية في تركيبها.

ونصّت المادة السابعة على معاقبة مخالفي المادتين الأولى والثانية بالأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى عشر سنوات، فضلاً عن الغرامات المالية والعقوبات الأخرى المنصوص عليها في القانون.

ماذا عن قانون العقوبات اللبناني؟

إلى جانب قانون المقاطعة، يتضمّن قانون العقوبات اللبناني، الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 340 عام 1943، أحكاماً تتعلق بالاتصال بالعدو ومساعدته وإقامة علاقات تجارية معه.

فالمادة 275 تعاقب بالإعدام كل لبناني يتصل بالعدو بقصد معاونته، بأي شكل، على انتصار قواته. وبالتالي، فإن التجريم هنا لا يقوم على مجرد حصول الاتصال، بل على الغاية منه، أي مساعدة العدو عسكرياً.

أما المادة 278، المعدّلة عام 1975، فتتناول تقديم المساعدة إلى جاسوس أو جندي أو عميل للعدو، أو الاتصال بأحد هؤلاء مع العلم بصفته، وتفرض عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة.

وتنصّ المادة 285 على معاقبة كل لبناني أو شخص مقيم في لبنان يقدم، مباشرة أو بالواسطة، على صفقة تجارية أو عملية شراء أو بيع أو مقايضة مع أحد رعايا العدو أو المقيمين في أراضيه. وتحدّد العقوبة بالحبس سنة على الأقل، إضافة إلى غرامة مالية.

هل يُجرَّم مجرد التواصل بين الأفراد؟

هنا تبرز إحدى أبرز المسائل القانونية المرتبطة بالعلاقات مع إسرائيل. فالتشريعات اللبنانية لا تتضمن جرماً عاماً واحداً بعنوان «التواصل مع إسرائيلي»، بل تجرّم أفعالاً محددة تبعاً لطبيعتها وظروفها والقصد منها. غير أن اتساع صياغة المادة الأولى من قانون المقاطعة، ولا سيما عبارة «أي تعامل آخر أياً كانت طبيعته»، يترك مجالاً لتفسيرات قانونية مختلفة بشأن بعض العلاقات غير التجارية، تبعاً للوقائع والعناصر التي يثبتها التحقيق.

إقرأ أيضاً: فرنسا تحت ضغط الشارع: هل تحسم أعمال الشغب معركة الإليزيه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى