قصة كبيرة

من عطّل التدقيق الجنائي ببواخر الكهرباء؟

من أوقف مناقصة التدقيق الجنائي في ملف بواخر إنتاج الكهرباء وصفقات الفيول المرتبطة بها؟ لماذا طُلب تجميد إجراءات تلزيمها رغم خضوعها لقانون الشراء العام ورقابة هيئة الشراء العام؟

هذه التساؤلات فرضها تدخّل المدعي العام لدى ديوان المحاسبة، القاضي فوزي خميس، الذي طلب من وزارة الطاقة والمياه التريّث في استكمال المناقصة، على خلفية اعتراض تقدّم به أحد المحامين، قبل أن يعود ويطلب وقف الإجراءات بصورة فورية إلى حين انتهاء التحقيقات، من دون تحديد مهلة زمنية.

هذا التطوّر دفع وزير الطاقة والمياه جو الصدّي إلى رفع الملف إلى مجلس الوزراء، لإدراجه على جدول أعمال جلسته اليوم، طالباً اتخاذ القرار المناسب بشأن استكمال المناقصة، بعدما تحوّل الخلاف حول إجراءات التلزيم إلى إشكالية تتعلق بصلاحيات النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، ومدى جواز تعليق مسار إداري خاضع أصلاً للرقابة القانونية.

وكانت وزارة الطاقة قد أطلقت، مناقصة دولية لإجراء تدقيق جنائي في عقود بواخر إنتاج الكهرباء وصفقات الفيول المرتبطة بها، وهي صفقات استمر الجدل بشأنها سنوات، وسط اتهامات بالهدر وسوء الإدارة والفساد.

بحسب الكتاب الذي وجّهه الصدّي إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 20 تشرين الأول 2026، أُعدّ دفتر الشروط وفق قانون الشراء العام، وبإشراف هيئة الشراء العام، مع اشتراط تأمين مسؤولية مهنية بقيمة عشرة ملايين دولار أميركي عن كل حادثة.

يؤكد الوزير أن التدقيق المطلوب يختلف جوهرياً عن مراجعات الامتثال التقليدية، إذ يشمل الكشف عن عمليات الاحتيال والفساد المحتملة، وتحديد الخسائر التي تكبّدتها الدولة اللبنانية، وتتبع حركة الأموال والمستفيدين الفعليين وسلاسل الملكية الحقيقية، بما فيها الشركات المسجّلة في الخارج.

اعتراض وطلب بوقف المناقصة

وكانت الوزارة قد حدّدت 15 تشرين الأول موعداً لفضّ العروض، إلا أن مسار المناقصة واجه اعتراضاً تقدّم به أحد المحامين أمام مجلس شورى الدولة، طالباً وقف تنفيذ دفتر الشروط، من دون أن يصدر المجلس قراراً بوقف التنفيذ، وفق ما أورده كتاب وزير الطاقة.

في موازاة ذلك، وجّه المدعي العام لدى ديوان المحاسبة كتاباً إلى الوزير بتاريخ 6 تشرين الأول، استناداً إلى شكوى من مكتبي محاسبة، طلب فيه التريّث وعدم متابعة إجراءات التلزيم مؤقتاً، إلى حين إبلاغ الوزارة بنتائج التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة. رغم تقديم الوزارة التوضيحات المطلوبة، عاد المدعي العام، في كتاب ثانٍ بتاريخ 13 تشرين الأول، ليطلب التريّث الفوري وعدم استكمال إجراءات التلزيم إلى حين انتهاء التحقيقات.

هنا تكمن العقدة الأساسية، إذ ترى الوزارة أن ربط استكمال المناقصة بانتهاء تحقيقات غير محدّدة المهلة يؤدي عملياً إلى تعطيل التدقيق الجنائي نفسه، وتأخير كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات عن الصفقات التي أُطلقت المناقصة أصلاً للتحقيق فيها.

رئيس ديوان المحاسبة يدخل على الخط

لكن التطوّر الأبرز تمثّل في الموقف الذي اتخذه رئيس ديوان المحاسبة، القاضي محمد بدران، في كتاب وجّهه إلى المدعي العام بتاريخ 14 تشرين الأول 2026، رداً على طلب التريّث. فقد أوضح بدران أن صلاحية النيابة العامة لدى الديوان في التحقيق والملاحقة وجمع المستندات لا تعني، بحدّ ذاتها، امتلاك صلاحية وقف إجراءات التلزيم أو إلزام الإدارة بتعليقها، ما لم يستند ذلك إلى نص قانوني أو قرار صادر عن الجهة المختصة.

أشار إلى أن قانون الشراء العام رقم 244/2021 حدّد آليات واضحة للاعتراض على إجراءات المناقصات ومراجعتها، ضمن أصول ومهل قانونية معيّنة. كما لفت إلى أن دفتر الشروط سبق أن عُرض على هيئة الشراء العام ووافقت عليه، من دون أن يحول ذلك دون التدقيق في أي مخالفة قد تثبت لاحقاً.

حذّر بدران من أن ربط استكمال المناقصة بانتهاء التحقيق، من دون إطار زمني واضح، قد يؤدي إلى تعطيل الإجراءات لمدة غير محدّدة، خصوصاً أن المناقصة تتعلق بمرفق عام حيوي.

كذلك، شدّد على أن المعاملة ستخضع لاحقاً للرقابة الإدارية المسبقة لدى ديوان المحاسبة، حيث تتولى الغرفة المختصة دراستها واتخاذ الموقف الذي يقتضيه القانون، مع احتفاظ النيابة العامة بحق إبداء ملاحظاتها وممارسة صلاحياتها القانونية.

اللافت أن رئيس الديوان لم يحسم أصل النزاع، لكنه اعتبر أن طلب وقف التنفيذ، وإن لم يشكّل بذاته قراراً ملزماً، يبقى مؤشراً لا ينبغي تجاهله، داعياً إلى الموازنة بين مقتضيات التحقيق وحماية المال العام، من جهة، وضرورة عدم تعطيل التلزيم من دون مسوّغ قانوني كافٍ، من جهة أخرى.

بذلك، لم يعد الخلاف محصوراً بين وزارة الطاقة والمدعي العام لدى ديوان المحاسبة، بل بات يتضمّن ملاحظات قانونية صريحة من رئيس الديوان نفسه بشأن حدود صلاحية تعليق المناقصة.

في ضوء هذه المعطيات، انتقل الملف إلى مجلس الوزراء، الذي بات مدعوّاً إلى اتخاذ القرار المناسب بشأن استكمال إجراءات التلزيم، بعدما أدّت طلبات التريّث إلى تعثّر المسار الذي يفترض أن يكشف حقيقة عقود البواخر وصفقات الفيول.

إقرأ أيضاً: رسائل جنبلاط في زمن الحروب: لبنان أمام الخطر الأكبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى