
على خطوط نبض الإقليم الملتهب، وجّه وليد جنبلاط تحذيراته في أكثر من اتجاه، لكنّ لبنان كان في قلب رسائله السياسية، التي تجاوزت حدود المواقف الظرفية إلى دقّ ناقوس الخطر بشأن مستقبل البلاد في ظلّ المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران وإسرائيل.
في تحذيره "حزب الله" من الانجرار إلى حرب جديدة، لم يكن جنبلاط يعبّر عن رفضه خيار المواجهة العسكرية فحسب، بل عن خشيته من أن يدفع لبنان، وخصوصاً الجنوب، ثمناً وجودياً يتجاوز الدمار والتهجير إلى خسارة الأرض وتكريس الاحتلال.
وفي استحضاره احتمال تحوّل الجنوب إلى غزة ثانية، وتحذيره من «بلفور ثانٍ»، رسالة بأن الحروب لم تعد تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، بل بما قد تفرضه من تغييرات جغرافية وديموغرافية يصعب التراجع عنها.
هكذا، بدت رسائل جنبلاط مترابطة في أهدافها: منع حرب جديدة، وحماية وحدة اللبنانيين، والحؤول دون خسارة الجنوب، قبل أن يجد لبنان نفسه أمام تسويات إقليمية تُرسم فيها حدود نفوذه وأرضه من دون أن يكون شريكاً فعلياً في تقرير مصيره.
الخلاصة التي تختصر تحذيرات جنبلاط، هي أن الخطر لا يكمن في اندلاع حرب جديدة فحسب، بل في أن تنتهي وقد خسر لبنان أجزاءً من أرضه، وتعذّرت عودة سكانه، وتحوّلت الوقائع العسكرية إلى ترتيبات سياسية دائمة. فالأولوية، وفق هذه المقاربة، ليست خوض مواجهة إضافية، بل حماية الجنوب واستعادة الأرض ومنع اتخاذ قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
وكان الجنوب اللبناني في صلب تحذيرات جنبلاط، الذي تخوّف من أن يلقى مصيراً مشابهاً لغزة، ليس فقط بفعل الدمار، بل نتيجة تهجير السكان وتعذّر عودتهم إلى القرى التي جُرفت منازلها ودُمّرت بنيتها التحتية. وحذّر من احتمال فرض ترتيبات حدودية جديدة، أو توسيع المناطق العازلة وتحويلها تدريجياً إلى أمر واقع دائم، مستحضراً خطر «بلفور ثانٍ» قد يهدّد مستقبل الأرض اللبنانية.
أما الرسالة الأبرز، فوجّهها جنبلاط إلى "حزب الله"، محذّراً من توريط لبنان في مواجهة عسكرية جديدة لا يستطيع تحمّل تداعياتها. وتساءل عن جدوى الاستمرار في معادلات عسكرية تنتهي بتدمير القرى وتهجير أهلها وتوسيع الاحتلال الإسرائيلي. لكنه ميّز بين رفضه استمرار قرار الحرب خارج المؤسسات الشرعية وبين الدعوة إلى مواجهة داخلية مع الحزب، مؤكّداً ضرورة معالجة قضية السلاح بالحوار تحت رعاية الدولة.
رفض جنبلاط، في المقابل، أي دعوات إلى تهجير الشيعة أو ترحيلهم إلى العراق، مشدّداً على تمسّكه بلبنان الكبير وبجميع مكوّناته. فالمواجهة السياسية مع حزب الله، في نظره، لا يجوز أن تتحوّل إلى استهداف للطائفة الشيعية أو التشكيك في انتمائها الوطني.
في ما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، انتقد جنبلاط المسار القائم وغياب الضمانات الواضحة للانسحاب الإسرائيلي، محذّراً من أن تتحوّل الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى واقع دائم يكرّس الاحتلال. ودعا إلى الاستفادة من اتفاقية الهدنة لعام 1949، وإلى فهم الخلفيات العقائدية والتاريخية التي يستند إليها اليمين الإسرائيلي في نظرته إلى الأراضي والحدود.
كذلك، رفض جنبلاط بقاء لبنان ساحة لتصفية الحسابات بين إيران والولايات المتحدة، داعياً إلى الحوار مع طهران من دون الخضوع لقرارها، ومنتقداً في الوقت نفسه الانحياز الأميركي إلى إسرائيل.
لم يُعفِ السلطة اللبنانية من المسؤولية، إذ شدّد على ضرورة توحيد الموقف السياسي والتفاوضي، وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، وعدم تحميل الجيش وحده أعباء مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية.
إقرأ أيضاً: الحكومة عالقة بين "حزب الله"… والأميركيين!







