
قرّر مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم حفظ الملفّ الذي أحاله إليه مدّعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، في شأن الإخبار المقدّم من المحامي حسن بزي ضد سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة، على خلفية ما ورد من معلومات حول اتصالها بالسفير الإسرائيلي في واشنطن لتهنئته بسلامة نجله من عملية دعس تعرّض لها، وبالتالي مخالفتها قانون مقاطعة إسرائيل.
وفق معلومات "الصوت نيوز" استند القاضي غانم في قراره، وهو الذي يُعرف بالأوساط القضائية بـ"القاضي الذي لا يخطئ" نظراً لخبرته الطويلة، على قانون مقاطعة إسرائيل نفسه، وعلى قانون العقوبات. فالمحامي بزي ادّعى على السفيرة حمادة استناداً إلى قانون مقاطعة إسرائيل، لكن القانون نفسه لا يتضمّن أي مادة تجرّم هذا التواصل.
يتحدّث قانون مقاطعة إسرائيل في بنوده عن "الحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر أيا كانت طبيعته."
ويحظر القانون "دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية بأنواعها كافة إلى لبنان وتبادلها أو الإتجار بها، وكذلك السندات المالية وغيرها من القيم المنقولة الإسرائيلية"، وينصّ على "اتّخاذ مجلس الوزراء ما يلزم من تدابير لمنع تصدير السلع التي يثبت أن البلاد المستوردة تعيد تصديرها إلى إسرائيل".
ربما سيتفاجأ كل اللبنانيين بأن الاتّصال الشخصي بأي إسرائيلي لا يعاقب عليه قانون مقاطعة إسرائيل، إذا كان فقط بدواعي شخصية، وليس هناك من مادة مذكورة في القانون تجرّم ذلك. وقد استند القاضي غانم على نصوص القانون نفسه الذي ادّعى من خلاله المحامي بزي على السفيرة اللبنانية في واشنطن، ليصدر لاحقاً قرار التحفّظ… مع العلم، أن المحكمة العسكرية سابقاً من عهد القاضي فادي عقيقي وما سبقه من مفوّضي حكومي، كانت تصدر قرارات بالتوقيف في حالات من هذا النوع.
أمّا في ما يتعلّق بقانون العقوبات هناك مواد 274 و278 و285. المادة 285 تنصّ على أن كل شخص دخل إلى الاراضي المحتلة يُعاقب. والمادتان 274 و278 (جنايات) تفيدان: "كل شخص لبناني أو أجنبي أعطى معلومات عن الدولة اللبنانية تؤدي إلى زعزعة الأمن والسلم الأهلي أو تجنّد لمصلحة إسرائيل يعاقب". وبالتالي ليس هناك من مادة في قانون العقوبات تطبّق في حالة السفيرة اللبنانية.
للمفارقة سبق للقاضي كلود غانم حين كان معاوناً لمفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أن أصدر قراراً بإسقاط الحكم الصادر بحق عامر الفاخوري لمرور الزمن (بعد 23 عاماً). يومها انهالت الاتصالات على القاضي غانم للاستيضاح، ومن المقلبين: من رئيس الجمهورية آنذاك ميشال عون، وقائد الجيش آنذاك جوزاف عون، ورئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري، والرئيس نبيه بري، وسياسيين وصولاً إلى أحد قياديي "الحزب" وكان الجواب واحداً: طبّقت القانون بمرور الزمن العشري.
بالتأكيد مرّ الزمن على تدارك هذا الخطأ الفاقع في القانون في ظل مفاوضات مباشرة قائمة اليوم بين لبنان وإسرائيل. لكن من أجل تجريم أي لبناني اليوم يتّصل بإسرائيلي، أو يسلّم عليه، أو يتحدّث معه "عن الطقس"، باستثناء طبعاً الحالات التي يثبت فيها التعامل الأمني مع إسرائيل والعمالة لها، ما على النواب الكرام سوى تعديل قانون مقاطعة إسرائيل!
هكذا، فإن ما كان يطبق على مدى عهود بتجريم التواصل مع إسرائيل (حتى في الحالات الشخصية)، أو اتّصال لبناني بقريب له في الأراضي المحتلة للاطمئنان عليه، كان يحصل بحكم العرف، وليس اتكاءً على قانون مقاطعة إسرائيل!
وفق معلومات "الصوت نيوز" لم يتطرّق القاضي غانم في تحقيقاته إلى إشكالية أساسية: هل اتّصلت السفيرة معوض بالسفير الإسرائيلي أو لم تتّصل؟
أصلاً، الجواب القانوني على ذلك هو الآتي: حتى لو اتّصلت السفيرة اللبنانية بسفير دولة الاحتلال ليس هناك مادة في قانون مقاطعة إسرائيل تجرّمها، أو حتى في قانون العقوبات! وبالتالي لم يتحقّق القاضي غانم من هذه الواقعة ليبني عليها قراره. يرى كثيرون أن قيام السفيرة بهذا الاتصال، لو صحّ فعلاً، هو عمل غير أخلاقي وغير وطني، ومستفزّ لشريحة كبيرة من اللبنانيين.
يُذكر أن السفيرة حمادة لم تصدر أي بيان توضيحي في هذا الشأن، ما أبقى باب التساؤلات مفتوحاً، حول ما إذا عمدت فعلاً إلى الاتصال، من باب "اللياقة الاجتماعية"، بسفير دولة دمّرت جنوب لبنان، وأبادت قراه، وقتلت أهله عمداً، لتهنئته بسلامه إبنه!
لكن الملفت أن هذه القضية سلّطت الضوء مجدداً على مدى التدخّل الأميركي في الشؤون اللبنانية، فتقديم الإخبار أمام النيابة العامّة التمييزية، ثم قيام مدّعي عام التمييز بإحالة الإخبار إلى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، هو إجراء قضائي روتيني، وقبل أي شئ آخر، إجراء مرتبط بشكل وثيق بالسلطة القضائية واستقلاليتها وهو موضوع سيادي بامتياز، لا يحق لأي دولة في العالم أن تشكّك فيه أو تهاجمه.
لكن فعلياً استدعى الأمر تصريحاً من المتحدّث بإسم وزارة الخارجية الاميركية تومي بيغوت إذ قال "من المخجل أن تتوّلى محكمة عسكرية النظر في شكوى ضد السفيرة اللبنانية في واشنطن لمجرد قيامها بتنفيذ سياسة حكومتها الشرعية، والانخراط في مفاوضات تقودها الولايات المتحدة"، وأضاف: "ينبغي على القضاء العسكري اللبناني أن يكرّس موارده المحدودة لملاحقة عناصر حزب الله الذين يخطّطون للتحرّك ضد الحكومة اللبنانية، والشعب اللبناني، بدلاً من ملاحقة المسؤولين الذين يعملون لمصلحتهما"، كما دعا إلى "إلغاء القوانين والممارسات التي تتيح هذا النوع من الاستهداف المُسيّس للمدنيين، والدبلوماسيين، في حين توفّر الحماية بشكل منهجي لعناصر حزب الله".
الملفت أن رئيس الجمهورية تطرّق أمس للمرة الأولى إلى هذه المسألة عبر قوله: "على أي أساس بدأ الإعلام الإضاءة على الأخبار بحق السفيرة اللبنانية في واشنطن والمساس بكرامتها الشخصية، وبسياسة الدولة الخارجية في حدث لم يحصل؟"، واستطراداً قائلاً إنّ السفيرة معوض لم تجر هذا الاتصال، فيما الأخيرة ارتأت الصمت!!
إقرأ أيضاً: ما هو لغز الجمعية المستوطنة في وزارة الطاقة؟







