
يُطرح التحرك الأميركي تجاه فنزويلا غالباً من زاويتين متداخلتين: السيطرة على النفط، أو تطويق الصين اقتصادياً. والحقيقة أنّ واشنطن لا تنظر إلى الملف الفنزويلي من خلال خيار أحادي، بل ضمن مقاربة جيوسياسية مركّبة تجمع بين أمن الطاقة، والصراع على النفوذ العالمي، واحتواء التمدد الصيني في نصف الكرة الغربي.
من جهة أولى، لا يمكن إنكار أن النفط يشكّل دافعاً أساسياً للاهتمام الأميركي بفنزويلا. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، ونفطها الثقيل يتلاءم تقنياً مع عدد من المصافي الأميركية في خليج المكسيك. ورغم أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد بشكل حاسم على النفط الفنزويلي كما في السابق، إلا أن ضمان تدفّق هذا المورد، أو على الأقل منع خصومها من احتكاره، يظل هدفاً استراتيجياً. السيطرة هنا لا تعني بالضرورة استحواذاً مباشراً، بل إعادة إدماج فنزويلا في منظومة الطاقة الغربية وفق قواعد السوق والعقوبات المشروطة.
لكن البعد الأعمق يتصل بالصين. فقد تحوّلت بكين خلال العقدين الماضيين إلى الشريك الاقتصادي الأهم لفنزويلا، مستوردةً الجزء الأكبر من نفطها، ومموّلةً حكوماتها المتعاقبة بقروض ضخمة سُدّدت بالنفط. وبذلك، لم يعد النفط الفنزويلي مجرد سلعة، بل أصبح أداة نفوذ صيني مباشر في منطقة لطالما اعتبرتها واشنطن مجالها الحيوي.
من هذا المنطلق، ترى الولايات المتحدة أن ترك فنزويلا ضمن الفلك الصيني يعني خسارة استراتيجية مزدوجة: أولاً، تعزيز قدرة الصين على تأمين مصادر طاقة بعيدة عن الضغوط الأميركية، وثانياً، تكريس حضور صيني متقدم في أميركا اللاتينية، بما يحمله من أبعاد سياسية وأمنية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل السلطة في كاراكاس أو تخفيف العقوبات مشروطة بتغيير التموضع الدولي لفنزويلا.
بعبارة أخرى، لا تسعى واشنطن فقط إلى النفط، بل إلى منع الصين من تحويل النفط الفنزويلي إلى رافعة اقتصادية وجيوسياسية. السيطرة على الموارد هنا هي وسيلة، لا غاية بحد ذاتها، ضمن صراع أوسع على النظام العالمي، حيث باتت الطاقة إحدى أدوات المنافسة الكبرى بين القوى العظمى.
يشكّل النفط الفنزويلي أحد أهم مفاتيح الصراع الاقتصادي والسياسي في أميركا اللاتينية، وأحد العناصر المؤثرة في معادلات الطاقة العالمية. فنزويلا لا تمتلك فقط ثروة نفطية ضخمة، بل تحتضن أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، يقدَّر بمئات المليارات من البراميل، معظمها يقع في حزام أورينوكو الغني بالنفط الثقيل وفائق الثقل. هذه الحقيقة وحدها تجعل من فنزويلا لاعباً استراتيجياً لا يمكن تجاهله، رغم أزماتها الداخلية العميقة.
تاريخياً، شكّل النفط العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي، إذ تؤمّن عائداته أكثر من 90 في المئة من دخل الصادرات، وهو ما جعل الدولة شديدة الاعتماد على هذا المورد الواحد. ومع تراجع الإنتاج نتيجة سوء الإدارة، والعقوبات الأميركية، وانهيار البنية التحتية لشركة النفط الوطنية، دخلت البلاد في دوامة تضخم وانكماش غير مسبوقة. غير أن هذا التراجع لم يُلغِ القيمة الاستراتيجية للنفط، بل زاد من حساسيته السياسية داخلياً وخارجياً.
على الصعيد الجيوسياسي، يمثّل النفط الفنزويلي ورقة نفوذ أساسية في علاقات كاراكاس مع القوى الكبرى. فالولايات المتحدة، رغم العقوبات، تبقى معنية بهذا النفط تحديداً، لأن عدداً من مصافيها صُمّم لمعالجة النفط الثقيل الفنزويلي. أما الصين وروسيا، فقد استثمرتا في القطاع النفطي مقابل قروض ونفوذ سياسي، ما جعل النفط أداة ضمن صراع أوسع على النفوذ في نصف الكرة الغربي.
كما أن لأي تحوّل في إنتاج فنزويلا أو عودتها بقوة إلى الأسواق أثرًا مباشراً على أسعار النفط العالمية وتوازنات «أوبك+». فزيادة الصادرات الفنزويلية قد تخفف الضغوط على السوق في فترات الأزمات، لكنها في الوقت نفسه تعيد خلط أوراق المنتجين الكبار.
إقرأ أيضاً: فنزويلا على خط الزلازل الدولية







