بالريشة

فنزويلا على خط الزلازل الدولية

شكّلت الضربة الأميركية التي نُفِّذت داخل فنزويلا، وما رافقها من نقل الرئيس نيكولاس مادورو إلى الولايات المتحدة، تطورًا بالغ الخطورة في مسار الصراع المفتوح بين واشنطن وكاراكاس، وكشفت بوضوح انتقال المواجهة من مستوى الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية إلى مستوى الفعل العسكري المباشر وفرض الوقائع القسرية.
هذا الحدث غير المسبوق لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً أمنيًا أو استجابة ظرفية لأزمة داخلية، بل باعتباره حلقة متقدمة في صراع دولي أوسع، يرتبط بإعادة رسم توازنات النظام العالمي، وبمحاولة الولايات المتحدة تثبيت نفوذها في مناطق تعتبرها تاريخيًا جزءًا من مجالها الحيوي، وفي مقدّمها أميركا اللاتينية.

يشهد العالم بداية تشكّل نظام عالمي جديد، بعد أن خضع طوال عقود لأحادية قطبية تقودها الولايات المتحدة الأميركية بصورة شبه منفردة، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي. وقد أخلّ هذا الانهيار بتوازنات النظام الدولي، ما أتاح لواشنطن توسيع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي عالميًا. غير أنّ صعود قوى دولية كبرى، وفي طليعتها الصين وروسيا، أعاد طرح مسألة التعددية القطبية، وهدّد بشكل مباشر أسس الهيمنة الأميركية. وفي هذا السياق، لم تعد الصراعات الدولية محصورة بحدودها الجغرافية المباشرة، بل تحوّلت إلى ساحات اختبار لإعادة توزيع القوة والنفوذ على مستوى النظام العالمي.

تحولات الصراع الدولي وساحات الاشتباك
تُظهر الحرب الروسية–الأوكرانية بوضوح هذا التحوّل في قواعد اللعبة الدولية. فهي لم تعد مجرّد نزاع حدودي أو صراع سيادة بين دولتين متجاورتين، بل باتت مواجهة عالمية غير مباشرة بين روسيا، مدعومة بالصين، وبين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، بهدف تثبيت أو كسر موازين القوة الدولية. الأمر نفسه ينسحب على الحرب الدائرة في قطاع غزة، حيث لم يقتصر الدور الأميركي على الدعم السياسي لإسرائيل، بل تعدّاه إلى حشد عسكري غير مسبوق في المنطقة، تحت عنوان حماية المصالح الاستراتيجية، وفي مقدّمها الطاقة والنفوذ الجيوسياسي، في مواجهة قوى إقليمية تسعى إلى كبح التدخل الأميركي.
ضمن هذا الإطار، تبرز الأزمة المتفاقمة بين فنزويلا وغويانا كإحدى ساحات الاشتباك الجديدة في “الحديقة الخلفية” لواشنطن. فالصراع القائم حول إقليم إيسيكويبو لا يمكن اختزاله بخلاف حدودي تاريخي، بل يعكس صراعًا أعمق على الموارد الطبيعية، وعلى النفوذ في مرحلة دولية تتّسم بتراجع القدرة الأميركية على الضبط المنفرد للمجالات الحيوية.

الجذور التاريخية للنزاع الفنزويلي–الغوياني
تعود جذور النزاع إلى القرن التاسع عشر، حين اعتبرت فنزويلا نفسها وريثة للإمبراطورية الإسبانية بعد استقلالها عام 1830، فيما رأت بريطانيا، بوصفها وريثة للإمبراطورية الهولندية، أنّ إقليم إيسيكويبو يدخل ضمن نفوذها الاستعماري. ترسّخ الخلاف مع إعلان بريطانيا ما عُرف بـ“خط شومبورغ”، ما دفع فنزويلا إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع غويانا عام 1887.
وفي محاولة للحفاظ على مسار الحلول السلمية، لجأ الطرفان إلى التحكيم الدولي في باريس، حيث صدر قرار عام 1899 منح بريطانيا نحو 90% من الأراضي المتنازع عليها، بما فيها مناجم الذهب. شكّل القرار صدمة وطنية في فنزويلا، لكنه قُبل على مضض، لتبقى القضية كامنة لعقود طويلة، إلى أن أعيد إحياؤها مع اكتشاف الثروات النفطية الضخمة في المنطقة.
فنزويلا: الموقع، الموارد، والتحالفات
تُعدّ فنزويلا من أبرز دول أميركا اللاتينية من حيث الثروة الطبيعية، إذ تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم، إلى جانب موارد ضخمة من الغاز والذهب والمعادن. وقد شكّل النفط تاريخيًا العمود الفقري لاقتصادها، ما جعلها لاعبًا أساسيًا في أسواق الطاقة العالمية. غير أنّ هذا الدور تراجع بشكل حاد بعد فرض الولايات المتحدة وحلفائها عقوبات اقتصادية واسعة منذ عام 2015، بذريعة أنّ فنزويلا تمثّل “تهديدًا للأمن القومي الأميركي”.
أدّت هذه العقوبات إلى خسائر اقتصادية تقدّر بمئات المليارات من الدولارات، وانعكست تراجعًا حادًا في مستوى المعيشة، وارتفاعًا في معدلات الفقر والبطالة. في المقابل، دفعت هذه الضغوط كراكاس إلى تعزيز تحالفاتها مع روسيا والصين وإيران، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي. وتقوم الشراكة مع الصين تحديدًا على رفض الهيمنة الأحادية، وتكريس نموذج للتعاون الاستراتيجي طويل الأمد في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

غويانا: دولة صغيرة بثروة ضخمة
في المقابل، تُعدّ غويانا من أصغر دول أميركا الجنوبية من حيث عدد السكان، لكنها تحوّلت منذ عام 2019 إلى واحدة من أسرع اقتصادات العالم نموًا، بفضل الاكتشافات النفطية الهائلة قبالة سواحلها. وتشير التقديرات إلى امتلاكها نحو 11 مليار برميل من النفط، ما يمنحها أعلى نصيب للفرد من الاحتياطات النفطية عالميًا.
هذا التحوّل الاقتصادي السريع جذب اهتمام الشركات الأميركية والأوروبية الكبرى، وعلى رأسها شركة “إكسون موبيل”، التي تقود عمليات التنقيب والإنتاج. وبطبيعة الحال، انعكس هذا الاهتمام في تعزيز العلاقات السياسية والعسكرية بين غويانا والولايات المتحدة، بما في ذلك مناورات عسكرية مشتركة ومساعٍ لإقامة قواعد عسكرية في مناطق قريبة من الإقليم المتنازع عليه.

العوامل السياسية والاقتصادية للصراع
أعاد الاستفتاء الذي أجرته فنزويلا في كانون الأول 2023، وصوّتت فيه الأغلبية الساحقة لصالح ضم إقليم إيسيكويبو، إشعال فتيل الأزمة من جديد. فقد اعتبرت غويانا، بدعم أميركي وأوروبي، الخطوة تهديدًا مباشرًا لسيادتها، في حين حظيت فنزويلا بدعم سياسي من روسيا والصين. هذا التدويل السريع للصراع يعكس تحوّله إلى مواجهة بالوكالة، ترتبط بشكل وثيق بالتجاذبات الدولية الأوسع.
اقتصاديًا، يشكّل النفط العامل الحاسم في الصراع. فالثروات المكتشفة في إيسيكويبو لا تمثّل مجرد مورد اقتصادي، بل ورقة استراتيجية في معركة النفوذ العالمي. وتسعى الولايات المتحدة إلى تأمين سيطرة غير مباشرة على هذه الموارد، في وقت تحاول فيه فنزويلا كسر الحصار المفروض عليها واستعادة دورها كلاعب رئيسي في سوق الطاقة.
إنّ الصراع بين فنزويلا وغويانا لم يعد نزاعًا حدوديًا تقليديًا، بل تحوّل إلى إحدى ساحات الاشتباك في النظام العالمي المتحوّل. فالوجود العسكري الأميركي المتزايد، والدعم الغربي لغويانا، في مقابل التحالفات الدولية التي تقف خلف فنزويلا، يعكس حجم الرهانات المرتبطة بالمنطقة. وفي ظلّ هذا المشهد، تبدو “الحديقة الخلفية” لواشنطن مرشّحة لتكون مسرحًا لصراع طويل الأمد، تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة، والموارد مع موازين القوة الدولية، في لحظة تاريخية يتحدّد فيها شكل النظام العالمي الجديد.

إقرأ أيضاً: الاحتجاجات تعود إلى إيران: أزمة معيشة أم بداية كسر سياسي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى