بالريشة

الاحتجاجات تعود إلى إيران: أزمة معيشة أم بداية كسر سياسي؟

تشهد إيران منذ الأيام القليلة الماضية موجة احتجاجات شعبية واسعة تعتبر الأهم منذ سنوات، وقد اندلعت المظاهرات في أكثر من مدينة كبرى نتيجة تدهور اقتصادي حاد وتراجع قوة العملة الوطنية وتفاقم البطالة وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

بدأت الاحتجاجات بشكل أساسي من التجار وأصحاب المحلات في سوق طهران الذين أغلقوا محلاتهم رفضًا للغضب من غلاء المعيشة وانهيار قيمة الريال، قبل أن يمتدّ الحراك إلى شرائح اجتماعية واسعة تشمل الطلاب والعمال والمواطنين العاديين في مدن مثل طهران وأصفهان وكرمانشاه ولورستان وكوهدشت، في مؤشر على اتساع رقعة الغضب داخل المجتمع.

ما يميّز هذه الجولة من الاحتجاجات أنها تجمع بين المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في وقت يخوض الاقتصاد الإيراني أزمة خانقة تمتد إلى عقود من العقوبات الدولية، وتفاقم أزمات مثل تدهور العملة الوطنية، نقص السيولة، وغلاء السلع الأساسية. هذا الضغط الاقتصادي جعل الشارع يرفع شعارات تتعدّى المطالب المعيشية إلى انتقادات مباشرة للفساد وسوء الإدارة السياسية.

وقد أدّت هذه الاحتجاجات إلى مواجهات محدودة مع قوات الأمن، وأسفرت عن سقوط قتلى بينهم عناصر من قوات “الباسيج” التابعة للحرس الثوري الإيراني، بينما تحدثت تقارير عن اعتقالات ومواجهات أمنية في بعض المناطق.

من جهة أخرى، تتراجع أحيانًا وتيرة التظاهر في بعض المناطق بسبب عطل رسمي أو تدخل حكومي لإظهار تيسير الحوار، حيث أعلن بعض المسؤولين الإيرانيين عن استعداد للاستماع إلى مطالب المحتجين وفتح قنوات حوار، في محاولة لاحتواء التوتر دون إعلان تنازلات جوهرية حتى الآن.

تواجه هذه الاحتجاجات أيضًا تحديات تنظيمية داخل الشارع الإيراني، إذ تختلف مطالب المجموعات المتظاهرة بين المطالب الاقتصادية الصرفة والمطالب السياسية الأعمق. وفي الوقت نفسه، يواصل النظام الإيراني تصوير الاحتجاجات في بعض الأحيان كأعمال تستغلها قوى خارجية لإحداث زعزعة، بينما يحاول تجنب القمع الشديد في بعض المناطق لتفادي تصعيد أكبر.

الاحتجاجات الراهنة مقلقة للسلطة لأنها تأتي في سياق تراكمي، لا كحدث معزول. الاقتصاد في وضع حرج، العملة ضعيفة، الثقة بين المجتمع والدولة متآكلة، والاحتجاج لم يعد حكرًا على فئة واحدة. دخول التجار، والطبقة الوسطى، والطلاب، وامتداد التحركات إلى مدن متعددة، كلها مؤشرات على اتساع قاعدة الغضب. الأخطر من ذلك أن الشعارات، وإن بدأت معيشية، سرعان ما تلامس أداء النظام نفسه، ما يضع الاحتجاجات في خانة سياسية ولو لم تُعلن نفسها كذلك.

ما يقلق النظام فعليًا ليس الشارع وحده، بل الزمن. فكل موجة احتجاج تُضعف هيبة الدولة، وتستنزف قدرتها على الضبط، وتراكم الشكوك داخل المجتمع وحتى داخل بعض النخب. الخطر الحقيقي يكمن في تزامن ثلاثة عناصر: احتجاجات واسعة، انقسام داخل النخبة الحاكمة، وأزمة اقتصادية حادة لا يمكن احتواؤها. هذا السيناريو لم يكتمل بعد.

في المجمل، تمثل الاحتجاجات الحالية في إيران تصعيدًا ونوعًا جديدًا من الاحتجاجات الاجتماعية، إذ لم تعد تقتصر على فئة واحدة من المجتمع، بل شملت قطاعات واسعة، وقد تكشف عن هشاشة متزايدة للنظام في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية في الداخل، مع بقاء احتمالات التوسع أو الاحتواء مفتوحة على حد سواء.

إقرأ أيضاً: ماذا بين السعودية والإمارات؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى