بالريشة

توقيف الأمير أندرو يفتح أخطر ملف في تاريخ العائلة المالكة البريطانية

أثار إعلان وسائل إعلام بريطانية عن توقيف الأمير السابق أندرو ماونتباتن، شقيق الملك الملك تشارلز الثالث، صدمة واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية، وفتح فصلاً جديداً من الجدل حول علاقة المؤسسة الملكية بقضايا النفوذ والشفافية والمساءلة القانونية.
بحسب التقارير، أقدمت الشرطة البريطانية على توقيف الأمير أندرو في إطار تقييم وتحقيق مرتبطين بمزاعم قديمة وجديدة تتعلق بتواصله مع رجل الأعمال الأميركي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين. تتمحور الشبهات حول احتمال قيام أندرو، خلال فترة توليه منصب مبعوث بريطانيا للتجارة الدولية، بإرسال تقارير تجارية حساسة إلى إبستين بعد إدانته القضائية، وهو ما يثير أسئلة خطيرة حول استخدام الموقع الرسمي والعلاقات الدولية.
شرطة شرطة وادي التايمز أكدت أنها «تُقيّم مزاعم ذات طبيعة خطيرة»، من دون الخوض في تفاصيل إضافية، مشيرة إلى أن التحقيقات لا تزال في مراحلها الأولية. إلا أن مجرد توقيف شخصية ملكية سابقة بهذا المستوى يُعد حدثاً غير مسبوق في بريطانيا الحديثة، ويعكس تشدداً متزايداً في التعامل مع أي شبهات تمس الأمن القومي أو المصالح الاقتصادية للدولة.
تعود جذور القضية إلى عام 2010، حين قام الأمير أندرو بجولة في جنوب شرق آسيا بصفته ممثلاً رسمياً للحكومة البريطانية في ملف التجارة الدولية. وفقاً لتسريبات إعلامية، فإن رسائل بريد إلكتروني أُعيد تداولها مؤخراً تشير إلى نقل معلومات وتقارير من تلك الجولة إلى إبستين، الأمر الذي دفع السلطات إلى إعادة فتح الملف في ضوء معايير أكثر صرامة للمساءلة.
سياسياً، يضع هذا التطور القصر الملكي في موقف بالغ الحساسية، لا سيما أن الأمير أندرو كان قد جُرّد سابقاً من ألقابه العسكرية ومهامه الرسمية، في محاولة لاحتواء تداعيات علاقته بإبستين. إلا أن التوقيف الحالي يعيد القضية إلى الواجهة، ويهدد بتوسيع نطاق التداعيات لتطال صورة العائلة المالكة ككل.
أما على الصعيد العام، فقد انقسم الرأي العام البريطاني بين من يرى في الخطوة دليلاً على أن «لا أحد فوق القانون»، وبين من يحذر من استغلال القضية سياسياً أو إعلامياً قبل صدور نتائج تحقيق رسمية. وفي الحالتين، يبدو أن بريطانيا أمام اختبار دقيق للتوازن بين حماية مؤسساتها التاريخية وترسيخ مبدأ المحاسبة، في قضية مرشحة لمتابعة طويلة ومفتوحة على احتمالات كبيرة.
يُعدّ الأمير أندرو واحداً من أكثر أفراد العائلة المالكة البريطانية إثارة للجدل خلال العقود الأخيرة. هو الابن الثالث للملكة الراحلة إليزابيث الثانية، وشغل لسنوات طويلة أدواراً رسمية بارزة، أبرزها منصب دوق يورك، إضافة إلى مهامه العسكرية السابقة في البحرية الملكية، حيث شارك في حرب جزر الفوكلاند عام 1982، وهو ما شكّل لفترة طويلة رصيداً شعبياً له داخل المؤسسة العسكرية والرأي العام البريطاني.
سياسياً، حاول الأمير أندرو بعد خروجه من الخدمة العسكرية أن يلعب دوراً مؤثراً في تعزيز العلاقات الاقتصادية لبريطانيا، فتولى بين عامي 2001 و2011 منصب المبعوث الخاص للتجارة والاستثمار، وهو موقع أتاح له شبكة واسعة من العلاقات الدولية مع رجال أعمال ومسؤولين حول العالم. غير أن هذا الدور، الذي كان يُفترض أن يعزز المصالح البريطانية، تحوّل لاحقاً إلى مصدر انتقادات حادة بسبب طبيعة بعض تلك العلاقات، وعلى رأسها ارتباطه المثير للجدل بجيفري إبستين.
مع تفجّر فضيحة إبستين عالمياً، دخل الأمير أندرو في عزلة متزايدة، خصوصاً بعد مقابلته التلفزيونية الشهيرة عام 2019 التي وُصفت بأنها «كارثية»، وألحقت ضرراً بالغاً بصورته وصورة العائلة المالكة. على إثر ذلك، قررت الملكة إليزابيث الثانية تجريده من ألقابه العسكرية ورعاياته الملكية، ثم جرى تثبيت هذا القرار لاحقاً في عهد الملك تشارلز الثالث، ليُصبح أندرو عملياً خارج أي دور رسمي.
تُعيد التطورات الأخيرة المرتبطة بتوقيفه تسليط الضوء على مسيرة انتقلت من قلب المؤسسة الملكية إلى هامشها، وتطرح مجدداً تساؤلات حول كيفية إدارة العائلة المالكة للأزمات، وحدود الفصل بين المكانة الرمزية للأمراء وخضوعهم الكامل للمساءلة القانونية، في زمن باتت فيه الشفافية مطلباً أساسياً داخل المجتمع البريطاني.

إقرأ أيضاً: فشّة خلق: حين يعمل المواطن ليبقى فقيرًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى