بالريشة

دونالد ترامب إلى العزل؟

منذ شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما المشتركة على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، لم تهدأ الساحة السياسية الأمريكية. انتشرت دعوات العزل في الأوساط الديمقراطية فور إعلان الضربات، وكان من أبرز المطالبين بها الناشط الديمقراطي كيث إدواردز والمعلق كايل كولينسكي، فيما طالبت المرشحة للكونغرس كات أبوغزالة بـ"تصويت فوري في الكونغرس على قرار صلاحيات الحرب ثم مواد العزل".

لم تقتصر الدعوات على الشارع والفضاء الإلكتروني؛ فقد تقدّم عدد من المشرّعين بمشروع قرار رسمي H.Res.537 لعزل ترامب، مستندين إلى المادة الأولى من الدستور التي تمنح الكونغرس وحده صلاحية إعلان الحرب، معتبرين أن قراره شنّ الحرب دون تفويض تشريعي يمثّل "إساءة استخدام السلطة الرئاسية وانتهاكاً صريحاً لمبدأ الفصل بين السلطات".

في أعقاب تهديداته بضرب البنية التحتية الإيرانية في رسالته المثيرة للجدل أيام عيد الفصح، وصفت النائبة ياسمين أنصاري ترامب بأنه "مجنون خطر وتهديد للأمن القومي"، فيما قال السناتور جيف ميركلي إنها "كلمات رجل محبط وغير أخلاقي"، مطالباً الكونغرس بالتحرك الفوري لإنهاء الحرب.

كيف يمكن عزل دونالد ترامب؟

الأداة الأولى: العزل التشريعي (Impeachment)

الطريق الأكثر شيوعاً في النقاش هو العزل عبر الكونغرس، وهو مسار دستوري من مرحلتين: يصوّت مجلس النواب أولاً على مواد الاتهام بالأغلبية البسيطة، ثم يُحاكَم الرئيس أمام مجلس الشيوخ الذي يحتاج لأغلبية الثلثين للإدانة والإقالة. يرى المنتقدون أن إطلاق الحرب على إيران دون تفويض تشريعي يشكّل أرضية دستورية واضحة للعزل، إذ رسّخ الآباء المؤسسون للدستور الأمريكي مبدأ أن لا شخص واحد — رئيساً كان أم غيره — يملك حق توريط البلاد في حرب دون موافقة ممثلي الشعب.

غير أن العقبة عملية قبل أن تكون دستورية؛ فالجمهوريون يسيطرون على مجلسي النواب والشيوخ، وتشير تقديرات منصة المراهنات "كالشي" إلى احتمال 12% فقط للعزل هذا العام، مع احتمال يبلغ 66% بحلول مطلع 2028. وقد أدرك ترامب هذا الخطر بنفسه، إذ حذّر الجمهوريين قائلاً: "إذا لم نفز بالانتخابات النصفية... سيجدون سبباً لعزلي."

الأداة الثانية: التعديل الخامس والعشرون

الخيار الثاني أكثر إثارة للجدل وأصعب تطبيقاً. يتيح التعديل الخامس والعشرون من الدستور الأميركي إعلان الرئيس غير قادر على أداء مهامه، وهو ما يطالب به عدد من المشرّعين الديمقراطيين، فيما اعترف ترامب نفسه بأن استراتيجيته الحربية قد تدفع بعضهم لاستحضار هذا التعديل. يستلزم تفعيله موافقة نائب الرئيس وأغلبية أعضاء مجلس الوزراء، وهو سيناريو يبدو بعيداً مع إدارة مُنسجمة إلى حد بعيد مع توجهات ترامب.

الأداة الثالثة: قرار صلاحيات الحرب

المسار الثالث أقل درامية لكن أكثر واقعية على المدى المنظور. يسعى النائب رو خانا والنائب الجمهوري توماس ماسي إلى تمرير قرار صلاحيات الحرب لمنع الرئيس من الاستمرار في الحرب من دون تفويض تشريعي، مستندَين إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 الذي يُلزم الرئيس بإخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من أي عمل عسكري، والحصول على موافقته خلال 60 يوماً.

كشف استطلاع حديث أن 84% من الديمقراطيين و55% من المستقلين يؤيدون عزل ترامب للمرة الثالثة، غير أن الحسابات البرلمانية تبقى عائقاً صلباً. المعركة الحقيقية ستُحسم في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026؛ فإذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، يتحوّل العزل من شعار احتجاجي إلى مسار تشريعي جدي. حتى ذلك الحين، تبقى الدعوات في معظمها صرخة سياسية في مواجهة جدار أغلبية جمهورية صلبة.

تتصاعد الأصوات المعارضة من داخل الكونغرس، وحتى من بعض حلفاء ترامب التقليديين، الذين يرون أن استراتيجية "الضغط الأقصى" والتلويح الدائم بالقوة العسكرية قد تؤدي إلى "حرب ضرورة" لا تنتهي. يركز المعارضون على أن الاندفاع نحو المواجهة، خاصة مع قوى إقليمية مثل إيران، سيعيد للأذهان سيناريو حرب العراق، مما سيستنزف الميزانية الأميركية ويؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، وهو ما يناقض وعود ترامب الانتخابية بإنهاء "الحروب الأبدية" والتركيز على الداخل الأمريكي.

أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن موجة الاعتراض تتغذى من اتهامات لترامب باستخدام الحرب أو التهديد بها كأداة "ابتزاز" اقتصادي. ويرى محللون أن السيطرة على ممرات الطاقة العالمية وخنق الخصوم (مثل الصين وروسيا) عبر افتعال أزمات في نقاط الاختناق البحرية، مثل مضيق هرمز، لا يهدف فقط إلى تحقيق نصر عسكري، بل إلى فرض هيمنة "البترودولار" وإجبار العالم على التبعية الكاملة للاقتصاد الأميركي.

شعبياً، عادت التظاهرات إلى المدن الأميركية الكبرى، حيث ترفع شعارات تندد بتقديم المصالح الإمبراطورية وشركات السلاح على حساب الأمن والسلم الدوليين. ويحذر المعارضون من أن "عسكرة الدبلوماسية" التي يتبعها ترامب قد تؤدي إلى ردود فعل انتقامية تطال المصالح الأميركية في الخارج، وتدفع القوى الكبرى الأخرى إلى تسريع بناء أنظمة مالية وعسكرية بديلة بعيداً عن الرقابة الأميركية، ما قد يعجل بنهاية النظام العالمي الحالي بدلاً من إعادة تشكيله.

ختاماً، تمثل هذه الموجة من الاعتراض اختباراً حقيقياً لقدرة ترامب على الموازنة بين طموحاته في فرض "العظمة الأمريكية" وبين واقع دولي ومحلي يرفض دفع أثمان باهظة لمغامرات عسكرية غير محسومة النتائج.

إقرأ أيضاً: تفاصيل عملية إنقاذ الطيار الاميركي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى