
يثير قرار الحكومة اللبنانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل إشكالية قانونية دقيقة تتجاوز البعد السياسي إلى صلب النظام الجزائي اللبناني. فلبنان لا يزال، من الناحية القانونية، في حالة عداء مع إسرائيل، ما يجعل أي تواصل معها خاضعاً لتفسير صارم بموجب قانون العقوبات. هذا الواقع يطرح سؤالاً حساساً: هل يمكن أن يتعرض أي مسؤول لبناني، سواء كان سفيراً أو موفداً رسمياً، للملاحقة القانونية لمجرد انخراطه في هذا المسار التفاوضي؟
ينص قانون العقوبات اللبناني على مجموعة من المواد التي تجرّم الاتصال أو التعامل مع العدو. أبرزها المادة 278 التي تعاقب كل لبناني يقدم على الاتصال بالعدو أو التخابر معه، والمادة 285 التي تحظر أي تعامل تجاري أو مالي مع العدو. كذلك، تندرج المواد 273 و274 ضمن الأشد خطورة، إذ تتناول جرائم التخابر لمصلحة العدو أو معاونته، وقد تصل العقوبات فيها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو حتى الإعدام في حالات معينة. كما تُستخدم المادة 277 لتجريم الأفعال التي من شأنها تعكير صلات لبنان بدولة أجنبية أو تعريضه لأعمال عدائية.
غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في النصوص، بل في كيفية تفسيرها وتطبيقها. فالقضاء اللبناني يميل تاريخياً إلى توسيع مفهوم “التواصل”، بحيث لا يقتصر على النشاط الاستخباراتي، بل يشمل أي اتصال مباشر أو غير مباشر، رسمي أو غير رسمي. وهذا ما يفتح الباب نظرياً أمام ملاحقة أي شخص يتواصل مع جهات إسرائيلية، حتى في سياق سياسي أو تفاوضي.
مع ذلك، يُطرح في المقابل مفهوم “الصفة الرسمية” وغطاء القرار الحكومي، حيث يُفترض أن أي تواصل يتم بتكليف من الدولة يدخل ضمن إطار ممارسة السلطة وليس ضمن الفعل الجرمي. لكن هذا التبرير يبقى عرضة للجدل، خصوصاً في ظل غياب نص قانوني صريح يستثني المفاوضات السياسية من نطاق التجريم.
بالتالي، يجد لبنان نفسه أمام مفارقة قانونية واضحة: دولة تفاوض، وقانون يجرّم. وبين الاثنين، تبقى حدود المسؤولية القانونية غير محسومة، وقابلة للتأويل وفق موازين السياسة والقضاء.
إقرأ أيضاً: هذه شروط "الحزب" للمفاوضات مع إسرائيل







