بالريشة

من أمال الى نوال: اعلاميون يدفعون الأثمان

زياد موسى*

منذ نشأة لبنان الحديث، لم تكن الصحافة مجرّد مهنة، بل كانت فعل مقاومة يومي، ومرآةً لوجع وطنٍ يتقلّب على أزماته. في هذا البلد الصغير، دفع الصحافيون أثماناً لا تُقاس بالحسابات المهنية، بل بالدم. من رياض طه إلى أسماء كثيرة خطّت تاريخها بين الحبر والرصاص، وصولاً إلى آمال خليل، تتكرّر الحكاية نفسها: الكلمة الحرة في لبنان ليست امتيازاً، بل مخاطرة وجودية.

لقد شكّلت الصحافة اللبنانية، رغم كل ما أصابها من انقسامات وضغوط، مساحة نادرة في العالم العربي للتعبير، والنقد، وكشف الحقائق. وهي، في أحلك الظروف، لم تغب عن ساحات المواجهة: من خطوط التماس خلال الحرب الأهلية، إلى جبهات الجنوب، إلى ميادين الانتفاضات الشعبية، وحتى إلى تخوم المآسي الإقليمية. هناك، لم يكن الصحافي مراقباً محايداً فحسب، بل شاهداً حيّاً، وأحياناً ضحية، إن استشهاد صحافيين لبنانيين عبر العقود ليس مجرد حوادث فردية، بل هو دليل على أن الصحافة في لبنان كانت دائماً في قلب الصراع على الحقيقة. هؤلاء لم يسقطوا لأنهم طرف في نزاع، بل لأنهم رفضوا أن يكونوا صامتين. حملوا الكاميرا بدل السلاح، لكنهم وُضعوا في مرمى النيران نفسها. وفي كل مرة، كان الوطن يخسر جزءاً من ذاكرته الحيّة.

غير أن الخطر على الصحافة لا يأتي فقط من الرصاص. في السنوات الأخيرة، برز وجه آخر أكثر خفوتاً لكنه لا يقل خطورة: النيل من كرامة الإعلاميين عبر الترهيب القضائي أو السجن، ومحاولات إخضاع الكلمة الحرة لمنطق السلطة أو النفوذ. إن سجن صحافي بسبب رأي أو تحقيق لا يسيء إلى فرد بعينه، بل يضرب فكرة الحرية في صميمها، ويعيدنا إلى عصور كانت فيها الحقيقة تُحاكم بدل أن تُحمى.

الأخطر من ذلك، هو ما نشهده من انحدار في الخطاب داخل بعض الأوساط الإعلامية نفسها. فقد بات بعض الإعلاميين يتوسّلون التشهير بزملائهم، لا سيما الإعلاميات، تارة بالتلميح وتارة بالتصريح، مستخدمين عناوين جارحة ومصطلحات مشينة، من قبيل “الشهيدة الحية”، أو الخوض في الأعراض والحياة الخاصة. هذا السلوك لا يمتّ إلى الصحافة بصلة، بل يندرج في إطار الابتذال الأخلاقي وتصفية الحسابات الرخيصة.

إن كرامة الإعلامي، رجلاً كان أم امرأة، ليست مادة للنقاش أو الابتزاز. والاختلاف المهني أو السياسي لا يبرّر بأي شكل من الأشكال انتهاك الخصوصيات أو تشويه السمعة. من هنا، تقع مسؤولية واضحة على الجهات التي ترعى هذه الأبواق، سواء كانت سياسية أو مالية، بأن تضع حداً لهذا الانفلات، وأن تدرك أن حماية الإعلام لا تعني فقط الدفاع عنه في مواجهة السلطة، بل أيضاً تنقيته من الممارسات التي تسيء إليه من داخله. في المقابل، يبقى من الواجب التذكير بنماذج مشرّفة من الصحافيين اللبنانيين الذين عملوا في أخطر البيئات، واضعين حياتهم على المحك لنقل الحقيقة. من بينهم من ذهب إلى أماكن مثل إعزاز السورية، حيث لم يكن الوصول مجرد مهمة صحفية، بل مواجهة مفتوحة مع الموت. هؤلاء لا يُقاسون بمعايير السوق الإعلامي، بل بمعايير الشجاعة المهنية والالتزام الأخلاقي. وهم يختصرون جوهر الرسالة التي يجب أن تبقى حيّة في ضمير كل صحافي.

ناشط سياسي واجتماعي

إقرأ أيضاً: إيران بين نارين: صراع المتشددين والبراغماتيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى