بالريشة

بالأرقام… خسائر إيران من الحصار على مضيق هرمز

يشكّل مضيق هرمز الشريان الحيوي لصادرات النفط الإيرانية، إذ يمرّ عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، أي نحو 15 إلى 20 مليون برميل يومياً في الظروف الطبيعية. بالنسبة لإيران، لا يقتصر المضيق على كونه ممرّاً بحرياً، بل هو المنفذ شبه الوحيد لتصريف إنتاجها النفطي إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي حصار أو تعطيل له بمثابة ضغط مباشر على قلب اقتصادها.

تُنتج إيران في الظروف الحالية نحو 2 إلى 3.4 ملايين برميل يومياً، وتُصدّر ما بين 1.2 و1.7 مليون برميل يومياً في الظروف شبه الطبيعية. غير أن الحصار البحري أو القيود العسكرية على حركة الناقلات عبر هرمز أدّت إلى تقييد القدرة على التصدير، ما خلق فجوة خطيرة بين الإنتاج والتصريف.

أولى المشكلات البنيوية التي تواجهها إيران هي أزمة التخزين. مع تعذر التصدير، تتكدّس كميات النفط في الخزانات البرية وعلى متن ناقلات عائمة. وتشير تقديرات حديثة إلى أن القدرة التخزينية المتبقية كانت بحدود 122 مليون برميل فقط، مع خطر امتلائها خلال أيام في ظل استمرار الإنتاج. هذا يعني أن إيران قد تُجبر على خفض الإنتاج قسرياً، وهو خيار تقني خطير، إذ يمكن أن يؤدي إلى فقدان دائم في طاقة الإنتاج يصل إلى 500 ألف برميل يومياً بسبب تضرر المكامن النفطية.

ثانياً، يفرض الحصار خسائر مالية مباشرة وضخمة. فإذا افترضنا أن إيران تصدّر نحو 1.5 مليون برميل يومياً بسعر يقارب 100 دولار للبرميل، فإن العائدات اليومية قد تصل إلى 150 مليون دولار. أي تعطيل جزئي أو كلي للتصدير يمكن أن يكلّف إيران ما بين 50 إلى 150 مليون دولار يومياً، أي ما يعادل خسائر شهرية تتراوح بين 1.5 و4.5 مليارات دولار. هذه الأرقام تتقاطع مع تقديرات تشير إلى إيرادات فعلية بحدود 139 مليون دولار يومياً في فترات الاستقرار النسبي.

ثالثاً، هناك خسائر غير مباشرة مرتبطة بالسوق. فالحصار يجبر إيران على بيع نفطها بخصومات كبيرة، خصوصاً للصين، أو عبر قنوات التفافية تتضمن تكاليف إضافية للنقل والتأمين وإخفاء المصدر. كما أن تراجع الثقة في أمن الشحن عبر هرمز أدى إلى إلغاء تغطيات التأمين وارتفاع كلفة النقل البحري بشكل حاد، ما يقلّص هامش الربح حتى في حال استمرار التصدير جزئياً.

رابعاً، يفرض الحصار اختناقات لوجستي. فإيران تعتمد بشكل شبه كامل على مرفأ جزيرة خرج لتصدير النفط، وأي ضغط عسكري أو تقني على هذا المرفق يهدد بتعطيل سلسلة الإمداد بالكامل. كما أن البدائل، مثل خط أنابيب جاسك خارج هرمز، لا تزال محدودة القدرة ولا تعوّض سوى جزء ضئيل من الصادرات.

خامساً، يمتد التأثير إلى الاستقرار الاقتصادي الداخلي. انخفاض العائدات النفطية يعني ضغطاً على العملة، وتراجعاً في القدرة على تمويل الواردات والدعم الحكومي، ما ينعكس مباشرة على مستويات التضخم والمعيشة. ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الضغوط إلى عامل تآكل طويل الأمد في الاقتصاد الإيراني.

في المحصلة، لا يتمثل الخطر الأساسي في توقف كامل وفوري للصادرات، بل في سيناريو أكثر تعقيداً: تصدير جزئي، إنتاج مقيّد، خسائر مالية مستمرة، وتآكل تدريجي في القدرة الإنتاجية. هذا ما يجعل الحصار على مضيق هرمز أداة استنزاف استراتيجية، تضرب إيران في أكثر نقاطها حساسية: النفط، أي مصدر قوتها الاقتصادية والسياسية في آن واحد.

إقرأ أيضاً: الحصار الأميركي لمضيق هرمز: استراتيجية "الخنق الذكي"

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى