قصة كبيرة

جنبلاط: تحضّروا لنزوح طويل

يؤكد مطلعون أن التحذيرات المتكررة التي أطلقها الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط للحكومة، والداعية إلى الاستعداد لمرحلة طويلة من عدم الاستقرار، لم تكن مجرد مواقف سياسية أو تقديرات عامة، بل استندت، بحسب تعبيره أمام عدد من زواره، إلى معطيات يعتبرها متقاطعة من أكثر من مصدر، توحي بأن الأزمة في الجنوب مرشحة للاستمرار، وأن الحديث عن عودة سريعة إلى ما كان عليه الوضع قبل الحرب لا يستند إلى وقائع ميدانية أو سياسية.
تلفت المصادر إلى أن جنبلاط كرر في أكثر من مناسبة دعوته الحكومة إلى عدم الاكتفاء بإدارة تداعيات النزوح الحالية، بل الانتقال إلى وضع خطة طوارئ طويلة الأمد، تشمل إنشاء مراكز إيواء جديدة ومجهزة، لأن "المحنة طويلة"، على حد تعبيره، ولأن الافتراض بأن آلاف العائلات ستعود قريباً إلى بلداتها ومنازلها قد يكون رهاناً غير واقعي.
بحسب هذه الأوساط، فإن جنبلاط يعتقد أن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في المدى المنظور، وأنها ستسعى إلى تكريس واقع أمني جديد على الحدود الجنوبية، مستندة إلى اعتبارات أمنية وعسكرية، وإلى الدعم الذي تحظى به في مقاربتها للترتيبات الحدودية. كما يرى أن اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل جاء، في جوهره، انعكاساً للرؤية الإسرائيلية أكثر مما كان تسوية متوازنة بين الطرفين، وهو ما عبّر عنه علناً عندما وصفه بأنه "إملاء إسرائيلي بالكامل".

توضح المصادر أن جنبلاط كان يعوّل على جولات التفاوض التي استضافتها واشنطن لحسم مسألتين أساسيتين لا تحتملان التأويل: تثبيت وقف كامل لإطلاق النار، ووضع جدول زمني واضح وملزم للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. إلا أن النتائج، برأيه، لم تحقق هذين الهدفين، إذ بقي وقف إطلاق النار هشاً وقابلاً للاهتزاز مع استمرار الغارات والعمليات العسكرية، فيما لم يتضمن الاتفاق أي التزام واضح بمواعيد الانسحاب، الأمر الذي عزز قناعته بأن الأزمة مرشحة للاستمرار.
انطلاقاً من هذه القراءة، يرى جنبلاط أن عشرات آلاف اللبنانيين الذين دمرت منازلهم في القرى الحدودية والضاحية الجنوبية لن يكونوا قادرين على العودة خلال أشهر قليلة، بل إن عملية إعادة الإعمار، حتى في أفضل السيناريوهات، قد تمتد سنوات، سواء بسبب حجم الدمار أو تعقيدات التمويل أو استمرار المخاطر الأمنية.
لهذا السبب، يدعو إلى اعتماد مقاربة رسمية مختلفة كلياً عن تلك المعتمدة حالياً، تقوم على التعامل مع النزوح بوصفه أزمة طويلة الأمد، لا حالة طارئة ومؤقتة. فبدلاً من الاكتفاء بمراكز إيواء مؤقتة أو حلول إسعافية، يقترح العمل على إنشاء تجمعات سكنية منظمة تتوافر فيها الخدمات الأساسية من تعليم ورعاية صحية وبنى تحتية وفرص عمل، بما يسمح للنازحين بالعيش بكرامة إلى حين توافر الظروف المناسبة لعودتهم.
تضيف المصادر أن جنبلاط يعتبر أن الجنوب نفسه يضم مساحات واسعة يمكن استثمارها لإقامة مراكز إيواء حديثة ومنظمة، بما يتيح إبقاء السكان ضمن بيئتهم الجغرافية والاجتماعية، وهو ما يخفف من الضغوط النفسية الناتجة عن الابتعاد عن مناطقهم، ويحافظ على الروابط العائلية والاجتماعية، كما يحد من الاحتكاكات والإشكالات التي غالباً ما تنشأ في مراكز الإيواء الموجودة في مناطق أخرى نتيجة الاكتظاظ أو اختلاف الظروف الاجتماعية.
ترى الأوساط نفسها أن الرسالة الأساسية التي يحاول جنبلاط إيصالها هي أن الدولة مطالبة بالتخطيط لأسوأ الاحتمالات لا لأفضلها، وأنّ إدارة الأزمة يجب أن تبنى على تقدير واقعي لمسار التطورات العسكرية والسياسية، لا على رهانات متفائلة قد لا تتحقق، لأن أي تأخير في وضع خطة استيعاب طويلة الأمد ستكون كلفته الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية مرتفعة على الدولة والنازحين معاً.

إقرأ أيضاً: صلاحية إقامة الشيباني تنتهي… في هذا التاريخ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى