
يأتي تسليم نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري تقرير اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ليضع السلطة السياسية أمام لحظة مكاشفة حاسمة؛ فالتقرير لا يقتصر على كونه توثيقاً منهجياً للانتهاكات والجرائم الإسرائيلية الجسيمة خلال الحرب الأخيرة، بل يشكل اختباراً حقيقياً لإرادة الدولة اللبنانية في تحويل هذا المنسوب الهائل من أدلة الدمار والخسائر البشرية إلى أوراق قوة قانونية ودبلوماسية للتحرك والمحاسبة في المحافل الدولية.
تكتسب هذه الخطوة أبعاداً قانونية شديدة الحساسية، كونها تأتي في ذروة انقسام وجمود داخلي حول حدود الخيارات المتاحة للشرعية اللبنانية، وتحديداً في ظل الجدل المحتدم حول البند 13 من "اتفاق الإطار". إذ يرى معارضون ومحللون قانونيون أن الشروط وضغوط التهدئة المتضمنة في هذا البند – أو أي التزامات أمنية وسياسية متبادلة – قد تُستغل كـ"فيتو سياسي" أو مقاصة تسعى من خلالها تل أبيب وحلفاؤها لتكبيل يد الدولة اللبنانية ومنعها من استثمار هذه الملفات التوثيقية في أي ملاحقة قضائية رسمية، بدعوى تجنب إفشال التفاهمات أو تصعيد التوتر.
وفق المقاربة التي طرحها متري، فإن استراتيجية لبنان التوثيقية ترتكز على مسارين متوازيين لجمع الأدلة والشهادات وفق المعايير الإثباتية الدولية:
1. المسار الوطني: عبر اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني لجمع الأدلة وتأطيرها قانونياً.
2. المسار الأممي: عبر بعثة المفوضية السامية لحقوق الإنسان، كآلية تقصي حقائق تُثبت الجرائم في السجلات الرسمية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف.
رغم أهمية هذا التوثيق البنيوي، إلا أنه يصطدم بـ"جدار آليات الملاحقة". إذ يجد لبنان نفسه مكبّلاً بعوائق هيكلية؛ بدءاً من عدم انضمامه لنظام روما الأساسي المُنظِم للمحكمة الجنائية الدولية—نتيجة تراجع الحكومة السابقة عن قرار الانضمام وعجز الحكومة الحالية عن البتّ فيه خلال العام الماضي—وصولاً إلى الهواجس المعقودة على التأثير السلبي لـ"البند 13"، والذي يرى البعض أنه قد يُقيّد الإرادة السياسية في اتخاذ خطوة استثنائية كقبول اختصاص المحكمة الجنائية لفترة محددة (وفق المادة 12/3 من نظام روما).
أمام هذا "التكبيل الرسمي" تتجه الأنظار نحو مسار موازٍ لا يخضع لالتزامات الدولة أو مقصات الشروط السياسية. فالمخرج القانوني المتبقي للبنانيين يكمن في تحريك الدعوى الفردية عبر مبدأ "الولاية القضائية العالمية" أمام المحاكم الأوروبية التي يُجيز قانونها ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
يؤكد المتابعون أن هذا الخيار الخارجي لم يعد مجرد فرضية أكاديمية، بل تحوّل إلى مسار أطلقه متضررون وضحايا بالفعل؛ مما يفرز واقعاً جديداً: حتى وإن نجحت التفاهمات السياسية في تقييد التحرك الرسمي للدولة تحت مظلة "البند 13"، فإن ملف التوثيق الحكومي سيظل يشكل المادة الدسمة والوقود الأساسي لمسارات قضائية دولية يَقودها الأفراد والمجتمع المدني، بعيداً عن أروقة المساومات الدبلوماسية.
إقرأ أيضاً: ثلاثية روما: إسرائيل توسّع المنطقة المحتلّة




