
تدخل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل يومها الثالث في روما، ضمن جولتها السابعة، من دون أن تسفر حتى الآن عن أي اختراق يوازي سقف التوقعات اللبنانية التي راهنت على هذه الجولة لدفع اتفاق الإطار الموقّع في حزيران الماضي خطوة إلى الأمام. فالحصيلة الملموسة الوحيدة التي يمكن البناء عليها تبقى دخول الجيش اللبناني إلى أطراف زوطر الغربية، بعدما انسحبت منها القوات الإسرائيلية في وقت سابق، فيما تبدو الجولة الحالية أقرب إلى إدارة الوقت منها إلى إنتاج تسوية جديدة.
المشكلة الأعمق أن إسرائيل ترفض حتى الآن تحديد منطقة ثانية محتلة تلتزم الانسحاب منها، وهو ما يضع الوفد اللبناني في موقع تفاوضي هش: فبيروت تطالب بإدراج بنت جبيل والخيام ضمن "المناطق النموذجية" الجديدة، بينما يكتفي الجانب الإسرائيلي بالحديث العام عن مواصلة النقاش، من دون أي التزام بجدول زمني أو بخريطة انسحاب واضحة. هذا التعثر لا ينعكس فقط في قاعة المفاوضات، بل يتحول إلى ورقة ضغط ميدانية تستخدمها إسرائيل لتظهير موقعها التفاوضي الأقوى.
بدل أن يقترن التفاوض السياسي بهدوء ميداني يعزز فرص التفاهم، أصرّت إسرائيل، في مشهد بات مألوفاً، على مواصلة القصف والتصعيد بالتزامن مع كل جولة حوار. فما جرى أمس من غارات طالت الجنوب، يؤكد أن إسرائيل تتعامل مع المسار الدبلوماسي والتصعيد العسكري كمسارين متوازيين لا يتناقضان في حساباتها، بل يخدم أحدهما الآخر: القصف يذكّر لبنان بموازين القوة ميدانياً، فيما تُستثمر طاولة المفاوضات لانتزاع تنازلات إضافية.
يزيد من تعقيد المشهد إصرار الجانب الإسرائيلي على إدراج ملفات إضافية على الطاولة، وفي مقدمتها تثبيت الحدود بين البلدين، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتل مساحات واسعة من الجنوب اللبناني. فالمنطق الذي تطرحه إسرائيل يقلب الأولوية المنطقية للتفاوض: فبدل أن يكون الانسحاب الكامل مدخلاً لبحث ترسيم الحدود، تسعى تل أبيب إلى فرض نقاش الترسيم كشرط مواز للانسحاب، وهو ما يعني عملياً تكريس الاحتلال الحالي كأمر واقع يُفاوَض من فوقه، لا وضعاً مؤقتاً يُفترض إنهاؤه.
هذا التفاوت في الالتزامات يضع لبنان الرسمي أمام معضلة حقيقية: فالاستمرار في المفاوضات من دون نتائج ملموسة يُستهلك سياسياً في الداخل اللبناني، خصوصاً في ظل معارضة "حزب الله" لهذا المسار من أساسه، بينما الانسحاب منها أو تعليقها قد يُفسَّر كتخلٍّ عن الورقة الدبلوماسية الوحيدة المتاحة حالياً. وبين هذين الخيارين، تبدو الجولة السابعة أقرب إلى اختبار لصبر لبنان وقدرته على الاستمرار في مسار لا يبدو أن إسرائيل جادة في تسريع وتيرته، طالما أن كلفة التأجيل تبقى محصورة بالجانب اللبناني وحده.
إقرأ أيضاً: كلفة الإعمار و"فاتورة" العودة




