قصة كبيرة

كلفة الإعمار و"فاتورة" العودة

مع إعلان وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد للمرة الأولى، عبر تصريح تلفزيوني، كلفة إعادة الإعمار والمقدّرة بـ 9,2 مليار دولار بما فيها البنى التحتية، والخدمات، وتشييد المنازل والسكن (السكن 80% من هذه الكلفة)، تكون كلفة الحرب منذ العام 2023 قد ارتفعت بشكل ضخم جداً، واضعة لبنان أمام أحد أكبر الكوارث الانسانية في تاريخه الحديث، مع تجاوز عدد الضحايا والجرحى عشرات الآلاف. أكدت السيد أنّ هذه الكلفة "لا تتضمّن الخسارة الاقتصادية. هذا أمرٌ آخر، ونحن نعلم  بأنّه سيكون رقم كبير جداً".

الكلفة متغيّرة، وستخضع مترتّباتها لتعديلات حتمية بحكم الأمر الواقع. والواقع الأكثر سوءًا، يترجم من خلال الاعتداءات الإسرائيلية وجرائم العدو المتمادية، التي تعجز كل الوساطات، بما في ذلك الضغط الاميركي عن وقفها.  

في هذا الإطار، استبقت تل أبيب الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، والثانية في العاصمة روما، بجولة من التفجيرات العنيفة جداً، التي لا سابق لها في تاريخ الحروب بين لبنان وإسرائيل، والمفترض أن ترفع كلفة العودة وإعادة الإعمار، وكلّفة الحلّ السياسي بذاته.

تقول شخصية عسكرية بارزة: "إسرائيل تفجّر حرفياً جنوب لبنان، وتستخدم عشرات الأطنان من المتفجّرات، أقواها تلك التي استهدفت قلعة الشقيف ومحيطها، ويشمل محيط النيران والنسف والتدمير يحمر الشقيف والنبطية الفوقا وعلي الطاهر وكفرتبنيت وزوطر الشرقية، الملاصقة لزوطر الغربية التي شملتها المرحلة الأولى من المناطق التجريبية، ودير سريان والمنصوري ومجدل زون وحداثا وأرنون وكونين والطيبة... منذ البداية، وتحديداً منذ بدء التفاوض المباشر في نيسان الماضي، اعتمدت إسرائيل مسار التفاوض بالنار والتفجير، وهي تزيد من وتيرة إجرامها كلما اقترب موعد أي تفاوض، لكن هذه المرة هي تقول للعالم أجمع: أنا أمحي مساحة جغرافية في لبنان عن وجه الأرض".

لذلك، لا تتوقع مصادر مطلعة نتائج عملية وملموسة من جولة التفاوض المرتقبة. وليس هناك من يقدّم مقاربة واضحة عمّا إذا تأجيل الرئيس الأميركي دونالد ترامب "الضربة الكبيرة" التي هدّد بتوجيهها إلى إيران، ستشكّل عاملاً إيجابياً أو سلبياً على المفاوضات المرتقبة، لجهة ردّة فعل الإسرائيلي من فرملة ترامب لحماسته لضرب إيران مجدداً، ما قد يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى رفع وتيرة اعتداءاته على لبنان، تعويضاً عن استبعاد ورقة الحرب، والتفلّت من "ضوابط" إرساء لغة التهدئة على الخط الاميركي-الإيراني

إذا، لا يمكن التوقع، وفق مصادر مطلعة، سوى مزيد من التشدّد الإسرائيلي في تكريس لغة الاعتداءات والتفلّت من التفاهمات المكتوبة، والشفهية، خصوصاً في ظل إعلان تل أبيب أن لا انسحاب من غزة ولبنان، إلا بعد نزع سلاح حماس و"حزب الله". والأهمّ، أن هناك تساؤلات تطرح داخل السلطة، وتتحوّل إلى علامات استفهام كبرى لدى الثنائي الشيعي، وترتبط باحتمال فرض إسرائيل شروط في شأن "من سيعود إلى الجنوب"، عبر الرفض المطلق لعودة قيادات عسكرية وأمنية بارزة، إضافة إلى قيام إسرائيل بأول وأكبر عملية إشراف على الإطلاق في تاريخها في ما يتعلّق بملف إعادة الإعمار وعودة الجنوبيين إلى قراهم!

مع ذلك، يخطو لبنان خطوات إضافية إلى الأمام، ولو أنّ إسرائيل تمعن في انتهاكاتها المفضوحة لكل التفاهمات، وتلوّح باحتلال طويل الأمد في المنطقة الأمنية العازلة، المعروفة بالخط الأصفر. ووفق المعلومات سيرفض الإسرائيلي السير بالمنطقة التجريبية الثانية التي قد تشمل الخيام أو بنت جبيل، باعتبارهما من "إنجازات" الحرب، ويمتدان في عمق المنطقة الأمنية التي لن تسمح إسرائيل بدخول الجيش اللبناني إليها في المرحلة الراهنة، كما أنه لن يقدّم أي تعهّد بالانسحاب أو وقف النار.

في المقابل، يذهب لبنان إلى التفاوض بوفد موسّع عسكري-مدني يطال "خبراء"، كما يصفهم محيط رئيس الجمهورية، من بينهم المستشارة للشؤون الاقتصادية والمالية روعة الحاراتي التي رافقت الرئيس جوزاف عون في زيارته الأخيرة إلى واشنطن، إضافة إلى شخصيات في المجالات القانونية والدولية وفي علم المساحة، عرف منهم المستشار القانوني لرئاسة الجمهورية الدكتور أنطوان صفير، ونجيب مسيحي الخبير في شؤون عالم البحار والمساحة (كان من ضمن الأعضاء المشاركين في ملف ترسيم الحدود البرحية مع إسرائيل).

هذا مع العلم أن رئيس الجمهورية، وقبل بدء مسلسل التفاوض المباشر وبعده، كرّر علناً أكثر من مرة أن "لا نقاش بأي ملف أو مطلب قبل وقف إطلاق النار".

إقرأ أيضاً: خطاب السفارة: مع وضد!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى