قصة كبيرة

بري- باسيل: ما خفي أعظم

تبدو العلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل في مرحلة مختلفة تماماً عن مراحل سابقة طبعتها الخصومة السياسية والتجاذبات الحادة. فالرجلان خاضا في السنوات الماضية مواجهات سياسية وإعلامية، وكان بري هدفاً دائماً لانتقادات باسيل، ولا سيما في ملفات تتصل بإدارة الدولة وتوازناتها، فيما لم يكن رئيس المجلس يتردد في الرد على مواقف رئيس التيار. كما أن العلاقة بين "التيار الوطني الحر" وحركة "أمل" بقيت لسنوات جزءاً من مشهد الانقسام السياسي الحاد، رغم أن "التيار" كان في الوقت نفسه حليفاً استراتيجياً لـ"حزب الله".

إلا أن التحولات التي طرأت على المشهد اللبناني، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة، دفعت الطرفين إلى الاقتراب من مساحة مشتركة جديدة. ويتمثل أبرز عناوينها في حصرية السلاح بيد الدولة. فبري، من خلال موقعه السياسي ورئاسته لحركة "أمل"، بات يتعامل مع قرارات الحكومة في هذا الملف باعتبارها الإطار الذي ينبغي أن تُدار من خلاله عملية تنظيم السلاح والقرار الأمني، فيما يعبّر باسيل و"التيار الوطني الحر" عن المبدأ نفسه من خلال مواقف سياسية متتالية تؤكد ضرورة حصر السلاح بالدولة، ولكن من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو صدام مع "حزب الله".

هذا التقاطع لا يعني بالضرورة قيام تحالف سياسي بين بري وباسيل، لكنه يكشف عن نشوء تناغم في مقاربة واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان. والأهم أن هذا التناغم لا يقتصر على المواقف المعلنة، بل تظهر مؤشرات إلى وجود قنوات اتصال سياسية مفتوحة بين الطرفين.

من أبرز هذه المؤشرات مشاركة مسؤولين في حركة "أمل" في اللقاء الذي نظمه "التيار الوطني الحر" تحت عنوان «حماية لبنان»، وهو اللقاء الذي أراد باسيل من خلاله فتح نقاش سياسي أوسع حول مستقبل السلاح والدولة والاستراتيجية الدفاعية. وكان لافتاً حضور ممثلين عن حركة "أمل" في هذا المسار، بما يتجاوز مجرد المشاركة البروتوكولية.

تفيد المعلومات "الصوت نيوز" أنّ الوثيقة التي خرج بها اللقاء خضعت لتدقيق ثنائي بين الطرفين قبل الإعلان عنها، بما يعكس مستوى متقدماً من التنسيق السياسي بينهما. والتدقيق في تعابير الوثيقة ومضامينها يعزز هذه القراءة. فالدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، ورفض الاحتلال والانقسام والتدخلات الخارجية، إلى جانب المطالبة بإقرار استراتيجية دفاع وطني، ليست مجرد عناوين عامة، بل تعكس مساحة مشتركة بين الفريقين. وهي مساحة تسمح لبري بأن يتحرك على خط وسطي: من جهة، لا يقطع الصلة مع "حزب الله" ولا يتخلى عن موقعه داخل البيئة الشيعية، ومن جهة أخرى، لا يعارض المسار الذي تقوده الدولة في اتجاه حصرية القرار والسلاح.

أما باسيل، فيبدو أنه يدرك أن أي مقاربة لحصرية السلاح لا يمكن أن تنجح إذا تحولت إلى مواجهة مع البيئة الشيعية، ولذلك يفضل بناء تفاهمات تدريجية داخلية. ومن هنا تكتسب العلاقة المستجدة بين الرجلين أهمية تتجاوز الحسابات الثنائية، لتصبح جزءاً من إعادة رسم الاصطفافات اللبنانية.

إقرأ أيضاً: هل انتهت صلاحية اتفاق الإطار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى