
لم تكن مواقف رئيس "تيار المرده" النائب السابق سليمان فرنجية التي أدلى بها مؤخراً عادية. الرجل لا يهوى الظهور الإعلامي كثيراً، لكن حين يطلّ على الشاشة يبق الكثير من البحص!
يمكن التركيز على عدّة مواقف أساسية، أظهرت موقع فرنجية الواضح أمام التغييرات الهائلة التي عصفت بلبنان والمنطقة:
-التفاهم الإيراني-الأميركي هو الحلّ ويوصل إلى أرض خصبة للتسوية، ولبنان راهناً أصبح ورقة بيد الأميركيين على طاولة المفاوضات مع إيران.
-أخطأ رئيس الجمهورية جوزاف عون كما أخطأ كل من ذهب إلى المفاوضات من دون ضمانات. المفاوضات المباشرة حصلت غصباً عن الجميع و"لو جابت شي ما كنّا عم نحكي هلّق عنّا. إذا أعطانا (عون) إنجازات على الأرض "بِسكّتنا أكيد". لكن نحن نقول له، انتبه هذا المسار ما بجيب إنجازات، ورح يخسّرك جزء كبير من شعبك، وعم يطلع معنا حق". وتوجّه إلى عون: "ما فيك تروح تفاوض إسرائيل أو تعمل سلم معها، وما معك إجماع وطني، أو شبه إجماع. هيك هيك خسران. إربح داخلك ووطنك. وأنا أدعوه إلى استيعاب الجميع".
-انتقد فرنجية الوفد المفاوض قائلاً: "صراع بهيك حجم بتجيب سفير مخضرم مش حدن أول مرة بيعمل سفير (ندى حمادة معوض)، وما بيعرف بالتاريخ، أو بيعرف يحكي تلات كلمات. ويجب أن يكون الوفد مؤلّفاً من كل المكوّنات اللبنانية، وأكثر من رأي".
-روى فرنجية رواية مثيرة للجدل حيث "اتصل فيي أحدهم من قبل رئيس الجمهورية بعد شهر من فرض العقوبات عليّ، قائلاً "نحن ما خصنا". ألا يستلزم هذا الأمر عتباً. إذا مش طالع بإيدكن، ألا يمكن استدعاء السفير (الأميركي في لبنان) وسؤاله سؤالاً واحداً "ليه صار هيك؟ كمان ما بيطلع بإيدهم هالشي؟. بينما سفير إيران، بيعمل نصف تصريح، وتقوم قيامة القبضايات عليه". أضاف فرنجية: "السيادة لا تجتزأ. طيب راح على أميركا (عون)، معقول ما بيسأل ولا سؤال. أنا عتبان على الرئيس عون، نحن نكن له الودّ، وندافع عنه. وإذا بروح على تسوية وطنية نحن معه، بينما إذا ذهب إلى تسوية مع فريق ضد فريق ويتبنى خيارات سمير جعجع، ما فينا نكون معه".
-لا مشروع تقسيم في المنطقة، "ولو كان سيحصل ذلك لكان بقي الرئيس بشار الأسد في سوريا ولم يذهب إلى موسكو".
في الوقائع، اصطف فرنجية منذ ما قبل انتخاب عون رئيساً إلى جانب قائد الجيش بوصفه مرشحاً رئاسياً. فقبل يوم واحد من انتخاب عون في 9 كانون الثاني 2025، أعلن فرنجية في بيان سحب ترشّحه للانتخابات الرئاسية مع "توفّر ظروف انتخاب رئيس للجمهورية"، مؤكداً دعمه عون الذي "يتمتّع بمواصفات تحفظ موقع الرئاسة الأولى". شكّلت هذه الخطوة آنذاك معطى داخلياً إضافياً في سياق مراكمة التأييد لعون، والذي توّج بتصويت حركة "أمل" و"حزب الله" له.
في بيان، وعلى الرغم من تمسّكه على مدى سنتين ونيف بالمرشح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، أعلن أمين عام "الحزب" نعيم قاسم، إنّ انتخاب عون جاء بعد توافق بين حركة "أمل" و"حزب الله" على انتخابه.
لم يتأخر الوقت ليحصل التباعد الكبير بين عون و"حزب الله". وراهناً يتبنى فرنجية مواقف أقرب إلى منطق حليفه الحزب، لجهة مسار التفاوض، واضعاً خطاً فاصلاً مع مرحلة سابقة طبعت علاقته بالقصر الجمهوري، ومبرّئاً "الحزب" من الانهيار الاقتصادي الذي لم تنجح الحكومة الحالية في لجم تداعياته.
إذ في بدايات العهد شهدت العلاقة بين بعبدا وبنشعي تقارباً واضحاً على حساب المسافة الفاترة جداً مع "التيار الوطني الحر"، والملتبسة مع القوات "اللبنانية" التي فتحت النار على بعبدا بسبب مسار الحوار مع "حزب الله"، ثم تعود العلاقة وتنتظم أكثر بعد تخلّي رئيس الجمهورية عن هذا الخيار، والذي أنتج قرارات وزارية واضحة بسحب سلاح "الحزب"، واعتباره خارجاً عن القانون، ثم خوض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
رغم الإيجابية الكبيرة التي واكبت انطلاق عهد جوزاف عون، على خط العلاقة مع فرنجية، إلا أنّ هذا الأمر لم يكن كافياً لتسمية فرنجية وزراء له داخل الحكومة. لكن القصر الجمهوري حاول التعويض لفرنجية عبر بعض التعيينات، فيما "الخدمات" مفتوحة لطلبات "البيك".
بعد انقضاء عام وأكثر من سبعة أشهر على انتخاب عون، اكتشف فرنجية، وفق العارفين، جزءاً كبيراً من "الناحية المُظلِمة" من عهد جوزاف عون. في مقابلته التلفزيونية الأخيرة لم يقل "البيك" كل شيء خصوصاً رأيه بأداء العهد، وإنتاجية الحكومة الأولى للعهد، ورأيه بالفريق اللصيق لرئيس الجمهورية، وصرف النفوذ في الدائرة الضيّقة والواسعة المرتبطة برئاسة الجمهورية، ومسار التعيينات، وأداء العهد حيال الكثير من الملفات... القريبون من فرنجية يقولون: "كل شيء بوقته حلو".
أول وآخر زيارة قام بها فرنجية إلى القصر الجمهوري كانت في كانون الأول 2025، بعد نحو عشرة أشهر من انتخاب عون، حيث أعرب رئيس "المرده" عن دعمه "لمواقف رئيس الجمهوريّة في مقاربته للتطوّرات الرّاهنة، لا سيّما منها ما يتعلّق بسُبل المحافظة على الأمن والاستقرار في البلاد". لم يعد الأمر كذلك بعد ملامسة العهد عامه الثاني. وفرنجية المعروف بشفافيته الطافحة، وقناعاته التي يجاهر بها على رأس السطح، قد لا يتأخر ويبقّ المزيد من البحص الرئاسي!
إقرأ أيضاً: "طارت" زوطر... الشرقية والغربية!!







