
مقابل طرح الوفد اللبناني في مفاوضات روما زوطر الشرقية نموذجاً بديلاً للمنطقة التجريبية "الثانية" (بلدتا الخيام وبنت جبيل) المرفوضتين إسرائيلياً، نفّذت إسرائيل استعراضاً عسكرياً بالدبابات في زوطر الشرقية على مرأى الكاميرات، وأمام أعين لبنانيين عادوا لتوّهم إلى زوطر الغربية، التي دشّنت المنطقة التجريبية الأولى.
لم يتمّ الاكتفاء بذلك، بل أجهزت إسرائيل على ما تبقى من أشجار زيتون معمّرة في البلدة، والتي يعود عمرها إلى مئات السنين. وزوطر الشرقية من أكثر البلدات الجنوبية التي تحتضن أشجار زيتون ويبلغ عددها أكثر من 14 ألف شجرة. وترجّح كل المعطيات بأن العدو الإسرائيلي يقوم بعملية "ترانسفير" لأشجار الزيتون إلى الداخل الإسرائيلي لإعادة زرعها هناك.
واقع الحال، أنّ الإسرائيلي عمد إلى القيام بالاستعراض نفسه في الخيام وبنت جبيل لجهة التوغلات والتمشيط والتفجير، في ردّ مباشر على أي طرح لبناني يطال بلدات محتلّة داخل المنطقة الأمنية العازلة.
أكثر من ذلك، جدّد الجيش الإسرائيلي صباح السبت تقدّمه باتجاه بلدة زوطر الغربية، المفترض "محرّرة"، وشيّد ساتراً ترابياً على مسافة تصل إلى نحو 100 متر فقط من ساحتها العامّة، في انتهاك فاضح لأولى خطوات المنطقة التجريبية. وحتى يوم أمس كان الجيش اللبناني لا يزال متمركزاً في موقعه الأساسي على بعد أمتار قليلة من الساتر المستحدث، وسط تحليق مكثف وعلى علوّ منخفض جداً للطائرات المسيّرة والمحلقات الإسرائيلية فوق أرجاء البلدة.
لا تعكس هذه المشهدية سوى دفعة مُحدّثة من التصلّب الإسرائيلي الإجرامي وفق معادلة سلبية: مقابل كل الخطوات، والبعض يصفها بـ"التنازلات"، التي يقدّمها لبنان، لا خطوة مقابلة إطلاقاً من الجانب الإسرائيلي باستثناء تكريس واقع الاحتلال. أهمّ هذه التنازلات، القبول بمنطقة تجريبية غير محتلّة، والقبول باستمرار التفاوض تحت النار والإبادة العمرانية والاقتصادية، والقبول بمنطق "التحقق". والتحقق يعني أنّ بعد إنجاز الجيش مهامه بأي بلدة جنوبية لناحية الانتشار والتأكد من عدم وجود سلاح وعناصر مسلّحة، يدخل طرف ثالث (دولي) ويتحقق من عمل الجيش، ويعطيه علامات تقييمية.
يقول مصدر ميداني لـ"الصوت نيوز": "فعلياً أخضع الجيش نفسه، أو الصحيح قبلت السلطة السياسية بإخضاعه، لامتحان علامات بالنجاح أو الفشل في المهمّة الموكلة إليه، وهو ما يعدّ تعدّياً صارخاً على السيادة اللبنانية، فرئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلّحة ولا يجوز أن يُشرك أي طرف آخر، بقراره وسلطته على المؤسسة العسكرية".
في المدة الفاصلة عن بداية أيلول، حيث يُرجّح عقد الجولة الثامنة من المفاوضات، يراهن لبنان على حصول نقاشات عابرة للمحيطات تؤدي إلى الاتفاق على المنطقة التجريبية الثانية، وبتّ آلية التحقق، لكن مصادر مطلعة على مسار التفاوض منذ شهر نيسان تجزم بأن الإسرائيلي يتصرّف بمنطق أن المفاوضات لا تعنيه أصلاً، طالما هو قادر على فرض أجندته الأمنية والعسكرية، من دون ضغوط أميركية جدّية عليه.
فيما يرى كثيرون أن لقاء البيت الأبيض بين الرئيسين جوزاف عون ودونالد ترامب كان يفترض أن يُشكّل نقطة تحوّل كبيرة في مسار التفاوض، انعكس الأمر تمدّداً في واقع الاحتلال، وتسليف لبنان ورقة القبول بالنقاش في الملف الحدودي. وهي ورقة، لا ترتّب فعلياً أي نتائج تنفيذية وحدودية على الأرض، كما يرغب لبنان، بل اقتصر الأمر على استماع الإسرائيلي للوفد اللبناني السياسي وهو يتحدّث عن اتفاق الهدنة عام 1949، والقرار 1701، والخط الأزرق، تثبيتاً للحدود اللبنانية، ولربط الواقع الحدودي مع الانسحاب الإسرائيلي المفترض من المناطق المحتلّة. لكن الجانب الإسرائيلي بدا غير معني بتقديم أي ضمانات بهذا السياق، كون المنطقة العازلة المحتلّة بالنسبة إليه هي عبارة عن "بلوك" واحد مترابط تحكمه معادلة واحدة: نزع السلاح نهائياً، ثم النقاش بالانسحاب.
يمكن التوقف هنا عند الإيجابية غير المفهومة التي تعكسها جهات رئاسية حيال مآل التفاوض، في ظل توقعات سياسية بأن لا يُقدم الإسرائيلي خلال المهلة الفاصلة عن موعد انتخابات الكنيست إلى أي إجراء أو خطوة لصالح لبنان، أوتلبية لي مطلب من مطالبه.
إقرأ أيضاً: بعد توثيق الانتهاكات… هل يكبل "البند 13" مسارات محاسبة إسرائيل؟







