
يُلوّح رئيس الوفد اللبناني للتفاوض، سيمون كرم، بتعليق التفاوض المباشر مع إسرائيل، بعد تراكم المسببات التي قد تدفع لبنان إلى تجميد هذا المسار. فجميع التصريحات الإسرائيلية، وآخرها الصادر عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول «البقاء الطويل الأمد في المناطق الأمنية في لبنان وغزة وسوريا»، ومسار جلسات التفاوض السبع، والمعطيات التي ينقلها زوار أجانب إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، والأهمّ الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق الإطار، وقبله الاتفاق المعلن في 16 نيسان عقب جولة التفاوض الأولى في 14 نيسان، كل ذلك يشي بأنّ إسرائيل على «تموضعها الاحتلالي»، وتوسّع رقعة اعتداءاتها، وصولاً إلى زرع مخاوف حقيقية لدى اللبنانيين من تحويل جزء من المنطقة الأمنية العازلة على الحدود الشمالية لتل أبيب إلى مستوطنة إسرائيلية!
وفق المعلومات، يؤكد الرئيس عون أمام زواره أنه لن يتخلّى عن ورقة التفاوض، وهو ما عكَسه في مواقفه الأخيرة، وبالتالي فإن التفاوض مستمر بانتظار تحديد موعد الجلسة الثامنة، وما إذا كانت ستُعقد في روما أو واشنطن.
ذهبت المراعاة اللبنانية لـ«حساسية المفاوضات» إلى حدّ تجنّب الرئيسين عون ونواف سلام، اعتبار الاعتداءات الإسرائيلية انتهاكاً صريحاً لاتفاق الإطار.
هنا، تبرز وجهتا نظر:
1- تسأل وجهة النظر الأولى عما إذا كان الرئيسين عون وسلام يتجنّبان ذكر كلمة «اتفاق الإطار» بالاسم، كون هذا الاتفاق لا يمنع إسرائيل أصلاً من القيام بالجرائم التي تقوم بها؟
في هذا السياق، ثمّة بنود كثيرة في الاتفاق تمنح إسرائيل حرية مطلقة في «الدفاع عن مصالحها الأمنية»، بما في ذلك موافقة الحكومة اللبنانية على «تأكيدات إسرائيل بأن عملياتها العسكرية في لبنان هي حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنوايا العدائية الصادرة عن الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، ولا سيما حزب الله» (المادة 5 من الاتفاق)، إضافة إلى تأكيد «حكومة لبنان وحكومة إسرائيل أن لا شيء يمنعهما من ممارسة حقّهما الأصيل في الدفاع عن النفس، كما هو معترف به في ميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للقانون الدولي المعمول به» (المادة 7).
يُذكر أن لبنان ممتنع بالكامل، عسكرياً، بقرار صادر عن السلطة السياسية، عن إطلاق رصاصة واحدة بوجه العدو الإسرائيلي، ما يعطي إسرائيل قدرة على الاستفادة الكاملة من هذا البند.
في السياق نفسه، يشير مطّلعون إلى المادة 8 التي كرّست «شراكة أمنية» مع إسرائيل، لجهة تأكيد البلدين «أنهما يشتركان في هدف إقامة لبنان آمن ومعاد بناؤه، تحت السيادة الكاملة للدولة اللبنانية، بحيث لا تشكّل أي جماعة مسلّحة غير تابعة للدولة تهديداً لإسرائيل أو لبنان أو لمواطني أي من البلدين». أمّا أحد أهم أشكال الوصاية، فيترجم من خلال «التزام حكومة لبنان ببرنامج صارم قائم على الأداء» لتمكين القوات المسلّحة اللبنانية من فرض السيطرة العسكرية والأمنية الكاملة داخل لبنان، وفقاً للترتيبات الأمنية المتفق عليها ضمن إطار المفاوضات، وتنفيذ نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة.
2- وجهة النظر الثانية تفيد بأن هذه الجملة لا تُذكر في البيانات الرسمية منذ توقيع الاتفاق، ضمن سياسة مسايرة الأميركيين كون اتفاق الإطار هو حجر الزاوية في ما ينشده البلدان، بتأكيدهما، من سلام وأمن.
في المقابل، ينتهج الجيش اللبناني أسلوباً متمايزاً من خلال الإشارة في بياناته إلى «خروقات إسرائيل للتفاهمات القائمة والقوانين الدولية»، إضافة إلى «مواجهته صعوبات كبيرة نتيجة هذه الاعتداءات التي تعيق استكمال انتشاره، وفق التفاهمات القائمة، وتمنع عودة الجنوبيين وإرساء الاستقرار».
بمطلق الأحوال، النتيجة واحدة. إسرائيل توغل في خروقاتها، وتفرض شروطاً قاسية على المفاوض اللبناني، مع اعتمادها سياسة المراوغة المفضوحة، ورفضها خوض نموذج «المناطق التجريبية المحتلّة». كل ذلك يجري وسط وعود تعهّد بها رئيس الجمهورية، منذ لحظة إعلانه طلب التفاوض المباشر مع إسرائيل، بأن «لا تفاوض تحت النار، ولا بحث بأي ملف قبل وقف إسرائيل النار نهائياً ووقف اعتداءاتها».
هذا الأمر لم يحصل، وقد قَبِل الوفد اللبناني التفاوض تحت النار، وتوسيع دائرة تفجيراته للقرى والمنازل، بما يُشكّل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، إضافة إلى استعادة إسرائيل لجريمة الإنذار بإخلاء مناطق لقصفها.
إقرأ أيضاً: هكذا تم تهريب قانون الإعلام







