أخبار محلية

باراك وشريكه اللبناني في مشروع بـ15 مليار دولار… شبهات تضارب مصالح و"مشكلة خطيرة"

كشف تحقيق لوكالة "رويترز" أن المبعوث الأميركي توماس باراك دفع باتجاه إشراك شركة يديرها شريكه في الأعمال، رجل الأعمال اللبناني زياد غندور، في مشروع أنبوب نفط يربط العراق بسوريا ويتجاوز مضيق هرمز، فيما احتفظ بعلاقة مالية مع مشروع عقاري منفصل تديره الشركة نفسها. وبحسب معلومات "ليبانون ديبايت" المؤكدة، فإن غندور لبناني.

وتثير هذه التحركات، وفق خبراء في الأخلاقيات الحكومية، أسئلة بشأن الالتزام بقواعد الحياد واستخدام المنصب العام، في حين تؤكد الخارجية الأميركية أن باراك لا يملك أي مصلحة مالية في مشروع الأنبوب وأنه ملتزم بالقواعد الأخلاقية.

بحسب تحقيق للصحافي فراس دالاتي في "رويترز"، قال 3 أشخاص إن باراك، أحد أبرز الدبلوماسيين الأميركيين في الشرق الأوسط، دعا إلى مشاركة شركة "تي آي كابيتال"، التي يديرها غندور، في تطوير الأنبوب، في أنشطة تبدو مخالفة لقواعد الأخلاقيات الفدرالية.

وفي تموز، وقّع العراق وسوريا مذكرات تفاهم مع تحالف يضم المجموعة الاستثمارية الأميركية "تي آي كابيتال"، ومقرها كاليفورنيا، إلى جانب "شيفرون" و"يو سي سي القابضة" القطرية، لإجراء دراسات تقنية ومالية تمهيداً لإعادة تأهيل أنبوب كركوك–بانياس، الذي يتيح تجاوز مضيق هرمز، أحد أبرز الاختناقات في حركة إمدادات النفط.

ولباراك، المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا والسفير لدى تركيا، علاقة أعمال طويلة مع "تي آي كابيتال" ومؤسسها غندور. وتُظهر سجلات علنية أنه، عند انعقاد جلسات تثبيته في منصبه عام 2025، كان يملك مصلحة مالية تمنحه حق الحصول على ما يصل إلى 20% من أرباح مشروع عقاري قرب سان فرانسيسكو، تديره "تي آي كابيتال" ويتولى غندور منصب رئيسه التنفيذي. وقد أعلن باراك أنه يعتزم الاحتفاظ بهذه المصلحة.

قال شخصان مطّلعان مباشرة على المناقشات إن باراك، خلال لقاءاته مع مسؤولين سوريين وعراقيين بعد اندلاع الحرب في إيران، ضغط لإدراج شركة غندور في المشروع.

وفي 16 حزيران، قبل شهر من توقيع اتفاق التحالف، أصدر باراك ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بياناً مشتركاً أشاد بقرار العراق "المضي قدماً في مذكرة تفاهم مع تي آي كابيتال لإعادة تأهيل أنبوب كركوك–بانياس". ولم يذكر البيان "شيفرون" أو "يو سي سي" في ما يتعلق بالأنبوب.

لكن "رويترز" لم تجد أدلة على أن باراك سيحقق أرباحاً من الأنبوب أو من المشاريع الأخرى الواردة في التحقيق. وأوضح محاميان متخصصان في الأخلاقيات للوكالة أن علاقته بغندور لا تشكّل تضارب مصالح جنائياً، ما لم يكن سيستفيد مباشرة من مشروع الأنبوب نفسه.

مع ذلك، اعتبر ريتشارد بينتر، كبير محامي الأخلاقيات السابق في البيت الأبيض وأستاذ القانون في جامعة مينيسوتا، أن علاقة باراك بغندور تجعل هذا الترويج "مشكلة خطيرة" بموجب القاعدة التي تمنع المسؤولين من المشاركة في مسائل تثير الشكوك بشأن حيادهم بسبب علاقة شخصية أو تجارية.

يمكن تفعيل قاعدة الحياد، التي ليست نصاً جنائياً، عندما يكون أحد شركاء المسؤول في الأعمال طرفاً في مشروع، بصرف النظر عما إذا كان المسؤول نفسه يملك مصلحة مالية فيه.

قالت آن سكيت، المديرة التنفيذية المؤقتة لمركز ماركولا للأخلاقيات التطبيقية في جامعة سانتا كلارا: "المخاوف الأخلاقية تتعلق بمظهر تضارب المصالح".

وعن الخطوة التي كان يتعين على باراك اتخاذها للالتزام بالقواعد، قال بينتر: "ألا تكون له أي علاقة بهذا الأنبوب. أن يتنحّى تماماً. وأن يقول: هذه مسألة لا أشارك فيها".

من جهته، رأى دون فوكس، المستشار العام والمدير بالوكالة السابق لمكتب الأخلاقيات الحكومية الأميركي، أن ترويج باراك لشركة "تي آي كابيتال" من شأنه أيضاً أن يخالف قاعدة تمنع المسؤولين من استخدام مناصبهم لتأييد أي مؤسسة أو لتحقيق مكاسب خاصة لأشخاص تربطهم بهم علاقات.

ووفق ردّ على طلب سجلات تقدّمت به "رويترز"، لم يقدّم باراك إلى مكتب الأخلاقيات الحكومية إعفاءً من قواعد تضارب المصالح يتعلق بصلاته بالشركة في سياق مشاركتها في المشروع. وتتيح هذه الإعفاءات للمسؤولين الذين لديهم تضارب محتمل المشاركة في مسائل تستوجب، في الظروف العادية، تنحّيهم عنها.

وكان باراك قد تعهّد، في اتفاق أخلاقي وقّعه قبل جلسات تثبيته في منصبه العام الماضي، بالتنحّي عن المسائل التي تؤثر مباشرة في المصالح المالية للمشروع العقاري، ما لم يحصل مسبقاً على إعفاء من هذا النوع.

وامتنع مكتب باراك و"شيفرون" عن التعليق، فيما لم تردّ "تي آي كابيتال" وغندور و"يو سي سي" على طلبات التعليق.

وفي منشور على منصة "إكس" في 17 تموز، وصف باراك مشاركة الشركات الأميركية في العراق وسوريا بأنها "نموذج جديد" يهدف إلى توفير الوضوح والفرص للمنطقة.

وقال محامٍ رابع متخصص في الأخلاقيات إن تحديد ما إذا كانت الأصول المالية لموظف في الخارجية تخلق تضارباً محتملاً في المصالح يعود إلى الوزارة.

وأكد متحدث باسم الخارجية الأميركية لـ"رويترز": "لا تربط السفير باراك أي صلة بمشروع أنبوب كركوك–بانياس، ولا يضطلع بأي دور فيه، ولا يملك أي مصلحة مالية فيه"، مع إقراره بعلاقة باراك بالمشروع العقاري الذي تديره "تي آي كابيتال".

وأضاف أن تصريحات باراك العلنية بشأن الأنبوب تعكس "اهتماماً سياسياً أميركياً قديماً ومعلناً بالتكامل الإقليمي في مجال الطاقة"، مؤكداً أنه جرى التحقق من التزامه بقواعد الأخلاقيات.

وتعود تفاصيل المصلحة المالية المعلنة إلى إفصاح قدّمه باراك إلى مكتب الأخلاقيات الحكومية في آذار 2025، قبل تولّيه مهامه الدبلوماسية. وأعلن فيه امتلاكه حصة في شركة "إيه سي دي–تي آي أوكلي إنفستمنت"، التي تطوّر مشروعاً سكنياً كبيراً قرب سان فرانسيسكو.

ولم يحدّد الإفصاح حجم الحصة، لكنه أشار إلى أن باراك يستحق 20% من أرباح الشركة عندما تبلغ الأرباح حداً أدنى محدداً مسبقاً.

وتُظهر سجلات الشركات في ولاية كاليفورنيا أن "تي آي كابيتال" تدير الشركة، وأن غندور يتولى رئاستها التنفيذية. ولم تتمكن "رويترز" من العثور على بيانات اتصال بممثل عنها، كما لم تتلقَّ رداً على أسئلة أرسلتها إلى عنوان مراسلاتها البريدية.

وأشار الإفصاح إلى أن ترتيب تقاسم الأرباح جاء مقابل خدمات قدّمها باراك للشركة. كما أفصح عن عمل استشاري مدفوع الأجر لصالح المشروع خلال عام 2024، من دون أن يوضح الإفصاح ما إذا كان قد تلقّى أجراً فعلياً أو قيمته.

وفي اتفاق أخلاقي منفصل، وقّعه في 7 آذار 2025، قبل 3 أسابيع من جلسة تثبيته أمام مجلس الشيوخ، أدرج باراك "إيه سي دي–تي آي أوكلي" ضمن الأصول التي سيحتفظ بها بدلاً من بيعها.

أما أنبوب كركوك–بانياس التاريخي، الذي نقل النفط العراقي لعقود إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، فقد شهد توقفات متقطعة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وهو خارج الخدمة منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

اكتسبت خطط إحيائه، التي كانت مجمّدة، زخماً جديداً هذا العام، بعدما قيّدت إيران حركة المرور عبر مضيق هرمز أثناء تعرضها لهجوم أميركي، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

قال عدد من الأشخاص لـ"رويترز" في آب إن إنشاء الأنبوب يحتاج إلى 4 سنوات على الأقل، بكلفة تبلغ 15 مليار دولار.

بحسب شخص ثالث مطّلع مباشرة على محادثة جرت على هامش المؤتمر العالمي لمعهد ميلكن في لوس أنجلوس، طرح باراك في أيار فكرة إشراك "تي آي كابيتال" في المشروع الإقليمي.

أضاف المصدر أنه، مع استمرار الحرب الأميركية على إيران، شارك باراك وغندور أيضاً في جلسة ضمن المؤتمر اقتصرت على المدعوين، وناقشا بصورة عامة الحاجة إلى خطوط جديدة لإمدادات الطاقة في الشرق الأوسط.

امتنع متحدث باسم معهد ميلكن عن تقديم تفاصيل بشأن الجلسة، موضحاً أنها كانت مغلقة أمام وسائل الإعلام.

وتعود علاقة الأعمال بين باراك وغندور إلى عام 2020 على الأقل، حين أسّسا شركة استحواذ ذات غرض خاص بقيمة 250 مليون دولار. وحُلّت الشركة بعد توقيف باراك عام 2021 بتهمة العمل وكيلاً غير مسجّل لدولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن يُبرَّأ عام 2022.

وفي وقت لاحق من تموز، سمّى مجلس الوزراء العراقي "تي آي كابيتال" ضمن تحالف آخر مع "يو سي سي القابضة" و"كونوكو فيليبس"، لتقييم حقل عكّاز للغاز، أحد أكبر احتياطيات الغاز غير المطوّرة في العراق.

تقول الشركة على موقعها الإلكتروني إنها تشارك في مشاريع بمرفأ طرطوس السوري، من دون تقديم تفاصيل. ولم تردّ هيئة الموانئ السورية على أسئلة بشأن دور الشركة، كما لم تتمكن "رويترز" من التحقق من مشاركتها في طرطوس. ولم تردّ "كونوكو فيليبس" على طلب للتعليق.

قال شخص مقرّب من باراك إن السفير يثق بغندور للمساعدة في تنفيذ استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإقليمية، الهادفة إلى تقريب العراق وسوريا من الولايات المتحدة، مضيفاً: "زياد هو الرجل المختار. اختاره باراك شخصياً".

وأحال البيت الأبيض أسئلة "رويترز" إلى وزارة الخارجية. وشارك في إعداد التحقيق تيمور أزهري من الرياض، وألكسندرا أولمر من واشنطن، وأحمد رشيد من بغداد، فيما تولّى فرانك جاك دانيال تحريره.

وبين تأكيد الخارجية الأميركية التزام باراك بالقواعد، وتشديد خبراء الأخلاقيات على ضرورة التنحّي، يتمحور الجدل حول أثر علاقته التجارية بغندور على حياده في الترويج للمشروع، رغم عدم العثور على دليل يثبت أنه سيحقق منه أرباحاً.

إقرأ أيضاً: سلام بحث والصدّي في زيادة التغذية الكهربائيّة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى