بالريشة

الذهب: طلعات صاروخية… لا نزلة فيها

لم يعد ارتفاع الذهب في الأسواق العالمية مجرد حركة اعتيادية مرتبطة بالتقلبات اليومية في العرض والطلب، بل أصبح تعبيراً عن تحولات أعمق في النظامين الاقتصادي والمالي العالمي. فالمعدن الأصفر لم يفقد مكانته كملاذ آمن منذ آلاف السنين، لكنه اليوم يكتسب بعداً جديداً في ظل تحديات اقتصادية متزايدة، وضغوط تضخمية مستمرة، وصراعات جيوسياسية متفاقمة. ولهذا يشهد الذهب إرتفاعات استثنائية، يرجح استمرارها، وفق الخبراء.

أما الأسباب، فيعدد الخبراء كالتالي:
أولاً: البنوك المركزية وتغيير موازين الاحتياطيات
من أبرز الدوافع وراء هذا المسار التصاعدي هو توجه المصارف المركزية – ولا سيما في الأسواق الناشئة – إلى تعزيز احتياطاتها من الذهب. هذه السياسة ليست مجرد تحوط مالي، بل تعكس إعادة رسم موازين القوة النقدية في العالم، حيث أصبح الذهب أداة للتحرر التدريجي من هيمنة الدولار على التجارة والاحتياطيات الدولية.

ثانياً: التضخم الأميركي وتآكل الثقة بالسياسات النقدية
الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد عالمي، لم تنجح حتى الآن في إعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة تحت 2%. ورغم رفع أسعار الفائدة وتشديد السياسة النقدية، فإن الثقة بقدرة الفيدرالي الأمريكي على السيطرة على الأسعار تراجعت. هذه المعادلة تجعل الذهب الخيار الأمثل للتحوط، لا سيما في أعين المستثمرين والمؤسسات المالية الكبرى.

ثالثاً: الجيوسياسة عامل ضغط ودافع للملاذات الآمنة
الأزمات السياسية والعسكرية المتناثرة من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط خلقت بيئة استثمارية مضطربة. وكما جرت العادة، يلجأ المستثمرون إلى الذهب باعتباره الأصل الذي لا يتأثر مباشرة بالتقلبات السياسية والاقتصادية قصيرة المدى، بل يكتسب قيمته من الندرة والثقة التاريخية.

رابعاً: الحروب التجارية وتراجع الثقة بالنظام التجاري الدولي
الحروب التجارية والرسوم الجمركية المتبادلة بين القوى الكبرى أضعفت من مصداقية النظام التجاري العالمي. هذه التوترات دفعت المؤسسات الاستثمارية إلى تنويع محافظها بعيداً عن الأصول المرتبطة بالدولار أو الأسواق المالية الأميركية، والذهب كان الوجهة الطبيعية.

خامساً: تراجع شهية الاستثمار في سندات الخزينة الأميركية
التحول الملحوظ من سندات الخزينة الأميركية نحو الذهب، خاصة من قبل الصين واليابان، ليس مجرد حركة مالية بل خطوة استراتيجية. فهي إشارة واضحة إلى أنّ العالم لم يعد يرغب بالاعتماد الكامل على أداة الدين الأمريكية كملاذ آمن، بل بات يبحث عن بدائل حقيقية ومستدامة.

سادساً: الصين والرهان على الذهب كأداة للتحرر من الدولار
الصين، القوة الاقتصادية الكبرى والأكبر عالمياً في التصدير، تقود اليوم توجهاً استراتيجياً للتحرر من الدولار عبر تعزيز استثماراتها في الذهب. هذا التوجه يكتسب زخماً مع تزايد التوترات مع الولايات المتحدة، ويعطي إشارة قوية إلى أن الذهب لم يعد مجرد أصل مالي بل أصبح جزءاً من لعبة الجغرافيا الاقتصادية.

إلى جانب هذه العوامل الموضوعية، هناك بعد نفسي لا يقل أهمية: قناعة الأسواق بأن الذهب في مسار صاعد. هذه القناعة، التي تتغذى من التوترات الاقتصادية والسياسية، تجعل من المقولة الشهيرة في عالم المال أكثر واقعية: "الاتجاه هو صديقك" – the trend is your friend.

إقرأ أيضاً: أكثر من 375 مليار دولار… على طاولة واحدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى