
من المنتظر، كخطوة تجريبية، أن تحط اليوم أول طائرة مدنية على مدرج مطار رينيه معوض في القليعات وعلى متنها رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الأشغال فايز رسامني وعدد من المسؤولين.
اذ بعد عقود من الوعود المتكررة والملفات المجمّدة، بات مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات على موعد حقيقي مع التشغيل. هذا التطور جاء ثمرة مسيرة امتدت لخمسة عشر عاماً من الضغط المتواصل والتحركات الدؤوبة للفاعليات والناشطين لإعادة تشغيل هذا المرفق. وما كان حلماً بعيد المنال بات اليوم ورشة عمل فعلية تتحرك على أرض الواقع.
في أيار 2026، أعلن وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني فضّ العروض في جلسة المزايدة العمومية الخاصة بتلزيم تشغيل واستثمار مطار الرئيس رينيه معوض – القليعات، في خطوة تُشكّل محطة مفصلية على طريق إعادة تشغيل ثاني مطار مدني في لبنان بعد عقود من الانتظار، وقد رست المزايدة على شركة Sky Lounges Services. وقد شاركت 18 شركة في المناقصة، وإن كانت المنافسة الفعلية انحصرت بين ثلاث شركات نتيجة المعايير الموضوعة في دفتر الشروط.
لم يكن الوصول إلى هذه المرحلة سهلاً. اتخذ مجلس الوزراء قراره بإجراء المناقصة العامة في 6 شباط 2026، وجاء ذلك بعدما كان وزير الأشغال يحاول تلزيم التشغيل بالتراضي لشركة "ميز" المملوكة من شركة "ميدل إيست"، وإثر الضجة التي أثيرت قرّر المجلس اعتماد المناقصة العامة.
وزير الأشغال وضع ملف مطار القليعات ضمن أولويات الوزارة منذ توليه مهامه، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن إعادة تشغيل المطار ليست مجرد مشروع استثماري، بل خطوة وطنية استراتيجية لتعزيز البنية التحتية للنقل الجوي، وتخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وتوسيع القدرات التشغيلية للطيران المدني اللبناني.
الواقع أن الحاجة إلى مطار ثانٍ باتت ضرورة موضوعية لا ترفاً. فمطار بيروت يعاني من اكتظاظ مزمن، والشمال اللبناني بمحافظتَي عكار وطرابلس يظل معزولاً جغرافياً عن أي بنية تحتية جوية. يُتوقع أن يؤمّن المطار نحو 6 آلاف فرصة عمل، وسيكون مطاراً رديفاً لمطار بيروت يخدم حركة الركاب والشحن. فضلاً عن ذلك، أبدت شركات أجنبية رغبتها في الاستثمار، ما يعزز فرص إنجازه قريباً.
التحديات الباقية
غير أن التلزيم وحده لا يعني أن الطريق باتت مفروشة بالورود. مطار القليعات يحتاج إلى تطوير شبكة الطرق المؤدية إليه، خاصة الطريق الساحلي عبر طرابلس، ما يتطلّب استثمارات إضافية. كما أن البنية التحتية الداخلية للمطار تستدعي أعمال صيانة وتأهيل، ويُضاف إلى ذلك ضرورة استكمال منظومة الأمن والجمارك وتوظيف الكوادر البشرية وتدريبها.
لعل أبرز ما يثير التساؤل هو آلية إدارة المطار في مراحله الأولى. عند انطلاق العمل، سيكون المطار في السنوات الأربع الأولى بإدارة مطار بيروت على أن يكون امتداداً له. وهذه النقطة بالذات تُثير جدلاً، إذ يرى بعض نواب الشمال أن ربط القليعات ببيروت إدارياً يُفقده استقلاليته ويجعله رهينة العقلية ذاتها التي يراد الخروج منها.
من الناحية الزمنية، يُفترض أن تنطلق أعمال التنفيذ والتأهيل في منتصف 2026 خلال فترة تتراوح بين 6 و9 أشهر، على أن يبدأ التشغيل المبدئي في نهاية 2026. أما على صعيد نوع الرحلات، فقد يشهد المطار في بداياته رحلات داخلية أو عبر شركات طائرات صغيرة، قبل أن تتوسع العمليات في عام 2027. غير أن هذه التواريخ تقديرية وقد تتغير بسبب التمويل أو العوائق التنظيمية والسياسية.
مطار القليعات ليس مجرد مشروع نقل؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية الجديدة على تحويل الوعود إلى واقع، وعلى إنصاف مناطق ظلت تعاني التهميش عقوداً. الورقة باتت في يد المنفّذين، والمحاسبة ستكون بحجم التوقعات.
إقرأ أيضاً: ماذا بعد إعلان واشنطن؟




