
تُظهر الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي ما يسميه "المنطقة الأمنية" التي تعمل فيها قواته داخل جنوب لبنان، وهي تمتد على طول الشريط الحدودي من القطاع الغربي عند رأس الناقورة وصولاً إلى القطاع الشرقي عند جبل الروس وجبل الشيخ. وتكشف الخريطة للمرة الأولى تقريباً التصور الإسرائيلي العلني للنطاق الجغرافي الذي تعتبره منطقة عمليات عسكرية وأمنية مباشرة داخل الأراضي اللبنانية.
تبيّن المعطيات الواردة على الخريطة أن المنطقة المظللة باللون الأحمر لا تقتصر على النقاط الخمس التي أعلن الجيش الإسرائيلي تمسكه بها سابقاً، بل تشمل نطاقاً أوسع يمتد في بعض المواقع إلى نحو ستة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، فيما يصل عرض المنطقة في القطاع الغربي إلى نحو عشرة كيلومترات بين رأس الناقورة ومحيط بلدة رميش.
تشمل هذه المنطقة عدداً كبيراً من القرى والمرتفعات الاستراتيجية، من بينها الضهيرة، يارين، مروحين، رميش، عيتا الشعب، راميا، بيت ليف، ميس الجبل، العديسة، كفركلا، الطيبة، مركبا، حولا، الوزاني، جبل الروس وجبل الشيخ. كما تُظهر الخريطة أهمية العناصر الطبيعية في رسم هذه المنطقة، إذ جرى اعتماد مجاري الليطاني، الحاصباني، الوزاني ووادي السلوقي كمعالم جغرافية بارزة ضمن نطاق العمليات.
تكشف الخريطة أيضاً أن إسرائيل تنظر إلى المرتفعات الحدودية باعتبارها العمود الفقري لهذه المنطقة الأمنية، وخصوصاً جبل الشيخ وجبل الروس وجبل الباط، نظراً لما توفره من قدرة على المراقبة والسيطرة النارية على مساحات واسعة من جنوب لبنان والجليل الأعلى.
من الناحية العسكرية، تعكس هذه الخريطة انتقال إسرائيل من مفهوم "النقاط العسكرية المحدودة" إلى مفهوم الحزام الأمني المرن الذي يتيح لها حرية الحركة والعمل العسكري داخل نطاق واسع نسبياً، بحجة منع إعادة تموضع حزب الله أو عودة البنى العسكرية إلى المناطق القريبة من الحدود.
تحمل الخريطة في مضمونها رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد. فهي تشير إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع وجودها الحالي في جنوب لبنان باعتباره انتشاراً مؤقتاً في بضعة مواقع، بل كجزء من ترتيبات أمنية أوسع تسعى إلى فرضها ميدانياً، بغض النظر عن مسار المفاوضات الجارية أو اتفاقات وقف إطلاق النار. كما أنها تُظهر أن تل أبيب ما زالت تعتبر المنطقة الحدودية اللبنانية جبهة مفتوحة تتطلب، من وجهة نظرها، وجوداً عملياتياً دائماً أو قدرة على التدخل السريع داخلها.
لذلك، فإن أهمية هذه الخريطة لا تكمن فقط في تحديد أماكن انتشار القوات الإسرائيلية، بل في كونها تكشف للمرة الأولى تقريباً حدود المنطقة التي تسعى إسرائيل إلى إخضاعها لمنطق "الأمن الوقائي"، ما يفسر استمرار الغارات والعمليات العسكرية داخل عدد من القرى الجنوبية حتى بعد التوصل إلى تفاهمات التهدئة ووقف إطلاق النار.
إقرأ ايضاً: الحكومة أم الاستقرار؟







