
لا ترحم نهائيات كأس العالم أحداً، فالطموحات الكبيرة والأحلام العريضة قد تتحول في غضون أيام قليلة إلى خيبة أمل قاسية. ومع تسارع وتيرة مباريات الجولة الثانية من دور المجموعات لمونديال 2026 في أميركا الشمالية، استيقظت جماهير ثلاثة منتخبات على واقع مرير تمثّل في حزم الحقائب ومغادرة البطولة رسمياً قبل حتى خوض الجولة الأخيرة، لتكون منتخبات تونس، تركيا، وهايتي أولى ضحايا النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم.
نسور قرطاج: سقوط مدوٍ وعلامات استفهام
كانت الصدمة الأكبر للجماهير العربية في هذه الجولة هي الوداع المبكر والقاسي لمنتخب تونس من المجموعة السادسة. دخل "نسور قرطاج" البطولة بآمال عريضة لتقديم نسخة استثنائية، لكن البداية جاءت كارثية بكل المقاييس. خسارة ثقيلة أمام السويد بنتيجة (5-1) كشفت عن خلل دفاعي واضح وغياب تام للتركيز الذهني، وتوقع الكثيرون ردة فعل قوية في المباراة الثانية أمام اليابان، إلا أن "الساموراي" أجهز على الطموح التونسي برباعية نظيفة (4-0). هتان الخسارتان وضعتا تونس في تذييل المجموعة بدون نقاط وبعجز تكتيكي واضح، لتحول مواجهتهم الأخيرة ضد هولندا إلى مجرد تحصيل حاصل، وسط تساؤلات جماهيرية وإعلامية حادة حول الخيارات الفنية وإعداد الفريق لهذه الصدمة المونديالية.
تركيا: غياب الهوية وتفوق الحسابات الرقمية
في المجموعة الرابعة، لم يكن حال المنتخب التركي أفضل حالاً، إذ حزم أمتعته مبكراً بعد أداء باهت أثار غضب عشاقه. بدأ الأتراك مشوارهم بخسارة غير متوقعة أمام أستراليا بهدفين دون رد، وهو ما وضع الفريق تحت ضغط عصبي هائل قبل مواجهة باراجواي. وفي مباراة الفرصة الأخيرة، عجز الهجوم التركي عن فك الشفرات الدفاعية لممثل أمريكا الجنوبية، ليتلقى هزيمة ثانية بهدف نظيف (1-0). وبسبب الاعتماد على قاعدة المواجهات المباشرة وفارق الأهداف، تبخرت حسابياً كافة آمال تركيا في اللحاق بقطار التأهل، حتى وإن حقق الفريق الفوز في مباراته الختامية الشرفية ضد الولايات المتحدة، ليغادر الأتراك المونديال مخلّفين وراءهم خيبة أمل كبرى لجيل كان يُنتظر منه الكثير.
هايتي: مغامرة قصيرة في أرض العمالقة
أما منتخب هايتي، فقد كان خروجه بمثابة اصطدام مبكر بواقع الفوارق الفنية الشاسعة في المجموعة الثالثة. ورغم الحماس الكبير والمؤازرة الجماهيرية لممثل "الكونكاكاف"، إلا أن نقص الخبرة المونديالية بدا واضحاً منذ اللقاء الأول الذي خسره الفريق أمام اسكتلندا بنتيجة (1-0). وجاءت رصاصة الرحمة في الجولة الثانية عندما واجهوا العملاق البرازيلي؛ حيث فرض "السامبا" إيقاعه وفاز بثلاثية نظيفة (3-0). هذا التعثر المزدوج جعل من هايتي أول المغادرين رسمياً برصيد خالٍ من النقاط والأهداف، لتنتهي مغامرتهم الحالمة سريعاً عند عتبة دور المجموعات.
يؤكد الخروج السريع لهذه المنتخبات الثلاثة أن بطولة بحجم كأس العالم لا تعترف بالتاريخ أو الأمنيات، بل بالجاهزية التكتيكية والقدرة على تحمل الضغوط المتتالية. في نظام البطولة الحالي، الخطأ الأول قد يكلفك الكثير، والخطأ الثاني يعني الإقصاء الفوري. ستترك مغادرة تونس وتركيا وهايتي فراغاً في مدرجات المونديال، لكنها في المقابل تمنح بقية المنتخبات درساً مجانياً وصارماً: الاستخواذ على الفرص والتركيز حتى الصافرة الأخيرة هما التذكرتان الوحيدتان للبقاء في محفل الكبار.
هكذا هي كأس العالم دائماً: بطولة لا تتذكر فقط من رفع الكأس في النهاية، بل أيضاً من غادر مبكراً بعدما جاء محملاً بالأحلام. وبين المنتصرين والخاسرين، تبدأ منذ الآن كتابة الفصل الأول من قصص الندم التي سترافق بعض المنتخبات حتى موعد المونديال المقبل.
إقرأ أيضاً: لا زلازل في المونديال… لكن إنذارات مبكرة للكبار







