قصة صغيرة

البرلمان يتجاوز الحكومة في قطاع الاتصالات

في وقت تمضي فيه الحكومة في إقرار مشاريع بنيوية تعيد رسم هيكلية قطاع الاتصالات، كان آخرها مشروع إعادة هيكلة وزارة الاتصالات عبر دمج المديريات الحالية في مديرية عامة واحدة، بما يؤدي عملياً إلى إنهاء الجهاز التشغيلي القائم قبل استكمال إنشاء الهيئة الناظمة الجديدة، مستندة في ذلك إلى قانون الاتصالات رقم 431 الصادر عام 2002، والذي مضى على إقراره أكثر من خمسة وعشرين عاماً، قرر مجلس النواب فتح الباب أمام مناقشة اقتراح قانون الاتصالات لعام 2025، متجاوزاً عملياً انتظار موقف الحكومة التي أبقت الاقتراح في أدراجها منذ إحالته إليها قبل نحو عشرة أشهر من دون إبداء ملاحظاتها أو إنجاز دراسته.

وتعكس هذه الخطوة قناعة متنامية داخل المجلس النيابي بأن قطاعاً يُعد من الأسرع تطوراً على مستوى العالم لا يمكن أن تُبنى خياراته الاستراتيجية على قانون وُضع في حقبة تقنية مختلفة تماماً، ولا أن تُتخذ قرارات مصيرية تتعلق بإعادة هيكلته، وإنشاء "ليبان تيليكوم"، وإدارة شركتي الخليوي، قبل تحديث الإطار التشريعي الناظم له. ومن هنا، تأتي مباشرة المجلس النيابي مناقشة اقتراح القانون الجديد بوصفها محاولة لإعادة رسم قواعد الإصلاح من الأساس، وإعادة القرار في القضايا البنيوية إلى السلطة التشريعية، بدلاً من أن يسبقها المسار التنفيذي بقرارات تستند إلى أحكام انتقالية يعود تاريخها إلى أكثر من ربع قرن.

لهذا، قدم النائب ياسين ياسين اقتراح قانون إلى المجلس النيابي حول قانون الاتصالات 2025  الذي دخل مساره التشريعي، مشيرا الى ان" تطوير القطاع يبدأ من بناء الأساسات".

وقال في مؤتمر صحافي: اليوم يبدأ المسار التشريعي الفعلي لاقتراح قانون الاتصالات 2025. يؤمن موقعي كأحد مقدّمي الاقتراح، ومقرّر لجنة الإعلام والاتصالات، أعلن أن اللجنة ستبدأ مناقشته هذا الأسبوع. وبعد ذلك، يستكمل الاقتراح مساره أمام اللجان الأخرى المختصة، أو أمام اللجان المشتركة، وفق الأصول.

تقدّمتُ بهذا الاقتراح في 24 أيلول 2025، مع بولا يعقوبيان وحليمة قعقور. وفي 30 أيلول، أُحيل إلى الحكومة لإبداء الرأي.

ومنذ ذلك الحين، أي منذ نحو عشرة أشهر، بقي الاقتراح من دون موقف حكومي نهائي، ولم تبدأ مناقشته الفعلية. نحن نريد تطوير قطاع الاتصالات على أسس حديثة ومستدامة. نريد تطويراً يحمي مصالح المجتمع والدولة، ويحسّن الخدمات، ويشجع الاستثمار والمنافسة، ويحفظ الأصول العامة. ونريد أن تكون الحوكمة والرقابة والمساءلة في صلب أي إصلاح.

فتطوير القطاع يبدأ من بناء الأساسات: قانون حديث، وهيئة ناظمة مستقلة، وفصل واضح بين الملكية والسياسات والتنظيم والتشغيل. كما يحتاج إلى مجالس إدارة فعلية، وإلى التدقيق والإفصاح والمساءلة.

قانون الاتصالات رقم 431 لعام 2002 كان، في حينه، محاولة إصلاحية مهمة. فقد نصّ على إنشاء هيئة منظمة مستقلة، وعلى تأسيس ليبان تيليكوم، وعلى الفصل التدريجي بين وظائف الوزارة والتنظيم والتشغيل. كما هدف إلى فتح القطاع أمام المنافسة والاستثمار.

لكن هذا المسار لم يُنفّذ ضمن المهل والتسلسل اللذين وضعهما القانون. بقيت الهيئة المنظمة معطّلة لسنوات طويلة. ولم تُنشأ ليبان تيليكوم، ولم تنتقل الأصول والعمليات والصلاحيات. وفي المقابل، استمرت الوزارة في الجمع بين أدوار وضع السياسات والملكية والإدارة والتشغيل.

وخلال هذه السنوات، تغيّر القطاع جذرياً. انتقل من الاتصالات الصوتية التقليدية إلى الإنترنت عريض النطاق، والخدمات والمنصات الرقمية، واقتصاد البيانات، والاتصالات الفضائية. القانون ما زال نافذاً. لكن أحكامه الانتقالية وُضعت لإدارة انتقال كان يفترض أن يبدأ خلال أشهر من صدوره، لا أن يبقى مفتوحاً طوال ربع قرن.

لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه المرحلة وكأنها بقيت مجمّدة منذ عام 2002، ويمكن استئنافها اليوم بالشروط نفسها. وتظهر نتائج هذا الخلل اليوم في اعتراض موظفي أوجيرو على تطبيق المادة 49 بصيغتها القديمة. فهم لا يعارضون إنشاء ليبان تيليكوم من حيث المبدأ. إنهم يطالبون بقانون محدّث، وبضمانات واضحة تحمي حقوقهم واستمرارية عملهم.

وقد نصّ اقتراحنا على انتقال العاملين المعنيين، مع صون كامل حقوقهم المكتسبة. فحماية العاملين وضمان استمرارية المرفق جزء من الإصلاح نفسه.

وفي الوقت الذي بقي فيه اقتراح القانون من دون مناقشة، بدأت وزارة الاتصالات العمل على مشاريع بنيوية كبرى. من هذه المشاريع إنشاء ليبان تيليكوم، وإعادة تنظيم الوزارة، وتلزيم إدارة وتشغيل شركتي الخليوي المملوكتين من الدولة.

وهذه ليست قرارات تشغيلية عادية. إنها قرارات ستحدد شكل القطاع، وتوزيع الصلاحيات، وإدارة أهم أصوله العامة لسنوات طويلة.

وتطوير قطاع بهذا الحجم يحتاج إلى رؤية تشريعية متكاملة. ولا يمكن أن يتم من خلال مشاريع متفرقة، أو مراسيم وعقود طويلة الأمد، ترسم مستقبله قبل أن يقول المجلس النيابي كلمته.

وقد أكد تقرير صندوق النقد الدولي عن الحوكمة والفساد في لبنان، الذي نُشر في 1 حزيران 2026، أهمية البدء من الأساسات.

فقد سمّى التقرير شركتي تاتش وألفا تحديداً، وأشار إلى أنهما تُداران مباشرة من وزير الاتصالات. كما أشار إلى أن الوزير يمارس بعض صلاحيات مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين، إضافة إلى صلاحيات الملكية والرقابة، فيما تؤدي مجالس الإدارة دوراً بروتوكولياً.

وأكد الصندوق أن إصلاح حوكمة الشركات المملوكة من الدولة يمكن أن يبدأ من دون انتظار تغيير طبيعتها أو شكلها القانوني. وحدد الأولويات بوضوح: مجالس إدارة تُعيّن وفق معايير سليمة، وشفافية وإفصاح وتدقيق، وفصل بين الملكية والسياسات والتنظيم. بمعنى واضح: إصلاح الحوكمة يسبق تغيير الشكل أو الانتقال إلى نموذج جديد. وهذا ينطبق مباشرة على مشروع تلزيم إدارة وتشغيل شركتي الخليوي.

وكان أمام الوزارة مسار إصلاحي. فقد أعدّ الخبير وسيم منصور ورقة سياسات لإصلاح حوكمة قطاع الخليوي، وقدّمتها منظمة سمكس، وتبنّاها مقدّمو اقتراح القانون. وكانت فكرتها الأساسية واضحة: إصلاح الحوكمة أولاً، ثم مناقشة النموذج الإداري أو الاستثماري المناسب. لكن توصياتها لم تنعكس في المسار الذي اعتمدته الوزارة.

وهذا الدرس ينسحب أيضاً على ليبان تيليكوم. نحن نؤيد إنشاء شركة وطنية حديثة وقادرة على المنافسة. وقد أعاد اقتراح القانون الجديد تنظيم هذه الشركة ودورها وحوكمتها.

لكن نجاحها يتطلب إطاراً قانونياً حديثاً، ومجلس إدارة محترفاً، وتقييماً مستقلاً للأصول والالتزامات، وعلاقة واضحة مع الوزارة والهيئة الناظمة.

أما نقل الاختلالات القائمة إلى شركة جديدة، فيغيّر الاسم والشكل، لكنه لا يحقق الإصلاح.

اقتراح قانون الاتصالات 2025 يعيد بناء الإطار القانوني للقطاع بصورة متكاملة. فهو يعزّز استقلالية الهيئة الناظمة، ويفصل بين الأدوار، وينظّم ليبان تيليكوم. كما يُدخل شركتي الخليوي المملوكتين من الدولة صراحةً ضمن قانون الاتصالات وقواعد الحوكمة والرقابة.

ويحدّث نظام التراخيص وقواعد المنافسة والاستثمار. ويضع أيضاً مساراً انتقالياً واضحاً لمعالجة شبكات الإنترنت غير الشرعية.

ومن موقعي التشريعي والرقابي، سأعمل مع زملائي على مناقشة الاقتراح في جلسات متتالية. وسنستمع إلى الحكومة، والهيئة الناظمة، والجهات الرقابية، وممثلي العاملين، وأصحاب الاختصاص.

هدفنا هو إقرار إطار قانوني حديث ومستدام لقطاع الاتصالات. وبهذا، تعود الخيارات البنيوية الكبرى للقطاع إلى مكانها الطبيعي: داخل النقاش التشريعي، وفي ضوء ما يقرره المجلس النيابي. لأن تطوير القطاع يبدأ من بناء الأساسات. والإصلاح المستدام يبدأ من الحوكمة والقانون.

إقرأ أيضاً: لعنة أبو عمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى