
اهتزّ ميناء دمياط المصري، أحد أبرز مراكز الطاقة والتصدير في شرق البحر المتوسط، مساء الأربعاء، على وقع انفجار وحريق كبير طال ناقلتي غاز طبيعي مسال - سفينة تغييز عائمة (إنرجوس وينتر) مملوكة لشركة أميركية، وسفينة تخزين أخرى (جازلوج سالم) - في حادث أثار تساؤلات جدية حول احتمال انزلاق مصر إلى دائرة الحرب الإقليمية المشتعلة أصلاً بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
نقلت رويترز عن شركة "أمبري" البريطانية للأمن البحري، استنادًا إلى تقييم أولي، أنّ طائرة مسيّرة أصابت ناقلة التخزين مباشرة، وهو ما وصفته الشركة بأنه مؤشر محتمل على اتساع رقعة الصراع الدائر في المنطقة. كما نقلت الوكالة عن مصدرين أمنيين إشارتهما إلى احتمال تعرض الناقلات لهجوم مماثل، فيما أكدت شركة "إنشكيب" لخدمات الموانئ اندلاع الحريق دون الجزم بسببه.
في المقابل، شهدت الرواية الرسمية المصرية تطورًا لافتًا؛ في وقت مبكر، نفى الخبير الاستراتيجي المصري سمير راغب وقوع أي هجوم، معتبرًا أن الحادث لا يعدو كونه حريقًا في غرفة محركات إحدى السفن "المتهالكة"، جرت السيطرة عليه وسحب السفينة خارج الرصيف دون خسائر. غير أن مجلس الوزراء المصري عاد وأصدر بيانًا رسميًا صباح الخميس أكد فيه أن التحقيقات الأولية التي أجرتها الجهات المعنية خلصت إلى أن الحريق ناجم عن طائرة مسيّرة، مع التأكيد على أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها عن الواقعة حتى الآن، واستمرار التحقيقات لكشف كامل ملابساتها واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالح مصر وأمنها القومي.
هذا التباين بين الروايات - من نفي كامل لوقوع هجوم، إلى تأكيد حكومي لاحق بأن مسيّرة هي السبب - يعكس حساسية اللحظة السياسية، إذ يبدو أن القاهرة تتعامل مع الحادث بحذر شديد تفاديًا لأي تصعيد أو تصنيف مباشر للمسؤولية قبل اكتمال التحقيقات.
يرى مراقبون، أنّ استهداف منشآت الطاقة في مصر يحمل دلالة مختلفة جوهريًا عن الهجمات التي شهدتها دول أخرى في المنطقة خلال السنوات الماضية، ذلك أن القاهرة ظلت حتى الآن بعيدة نسبيًا عن الاستقطاب العسكري المباشر بين أطراف الصراع. وبحسب هذا الطرح، فإن ثبوت وقوف إيران أو أحد حلفائها وراء الهجوم - إن تأكد ذلك مستقبلاً - قد يمثل تطورًا نوعيًا في نطاق الحرب الإقليمية، ويجعل من ميناء دمياط أول موقع للطاقة على الأراضي المصرية يتحول إلى ساحة استهداف مباشرة.
السيناريوهات المتوقعة
يمكن رسم عدة مسارات محتملة لتطور الموقف: أولها أن تُبقي القاهرة الملف مغلقًا على المستوى الدبلوماسي، مكتفية بإجراءات أمنية وتقنية لتشديد حماية موانئها ومنشآت طاقتها دون تصعيد أو تسمية لجهة بعينها، حفاظًا على سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها منذ اندلاع المواجهة الإقليمية.
أما المسار الثاني فيتمثل في إمكانية أن تكشف التحقيقات عن مصدر الطائرة المسيّرة بدقة، وهو ما قد يضع مصر أمام خيار الرد الدبلوماسي أو الأمني إذا ثبت تورط طرف إقليمي بعينه.
يبقى المسار الثالث الأكثر إثارة للقلق مرتبطًا بتكرار مثل هذه الحوادث، إذ إن أي استهداف إضافي لمنشآت الطاقة أو الملاحة المصرية سيصعب معه الاستمرار في سياسة عدم التصنيف، وقد يدفع القاهرة إلى إعادة تقييم موقعها من الصراع الدائر، خصوصًا مع تنامي المخاوف من اتساع رقعة الاستهداف لتشمل الممرات البحرية في شرق المتوسط، بعد أن كانت مقتصرة إلى حد كبير على البحر الأحمر ومضيق هرمز.
إقرأ أيضاً: استهداف أرامكو… يصدم الأسواق







