
لم تكن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب الشرقي، أمس، مجرد عملية عسكرية جديدة في الساحة السورية، بل حملت معها رسالة سياسية وأمنية تتجاوز الهدف المباشر للضربة. فقد نفذت إسرائيل ثماني غارات على القاعدة، استهدفت المدرج ومناطق التخزين، في أول استهداف إسرائيلي لمنشآت تابعة للحكومة السورية منذ آذار الماضي. لكن الأخطر أن العملية جاءت في منطقة باتت تشكل نقطة تماس غير مباشرة بين المصالح الإسرائيلية والتركية في سوريا.
تقول إسرائيل إن الضربة جاءت على خلفية مخاوف من قيام تركيا بنشر قوات في قاعدة أبو الظهور، معتبرة أن هذا الانتشار يمكن أن يغيّر الترتيبات الأمنية القائمة في المنطقة. إلا أن أنقرة سارعت إلى رفض هذه المزاعم، ونفت أن تكون لديها خطة تشكل تهديداً لإسرائيل، معتبرة أن الغارات الإسرائيلية تمثل انتهاكاً للسيادة السورية وتصعيداً غير مبرر.
هنا تكمن حساسية المشهد. فتركيا وإسرائيل ليستا دولتين غريبتين عن الساحة السورية، لكن لكل منهما تصور مختلف تماماً عن مستقبل سوريا وترتيباتها الأمنية. أنقرة تريد تثبيت نفوذها ودعم السلطة السورية الجديدة والحفاظ على قدرة عسكرية تتيح لها حماية مصالحها وحدودها، فيما تنظر إسرائيل بقلق إلى أي وجود عسكري تركي يمكن أن يقترب من مناطق عملياتها أو يحد من حرية تحركها الجوي والعسكري.
وبالتالي، فإن المشكلة لم تعد محصورة في علاقة إسرائيل بسوريا، بل بدأت تتحول إلى معادلة ثلاثية: سوريا التي تحاول إعادة بناء مؤسساتها وسيادتها، وتركيا التي توسع حضورها الأمني والسياسي، وإسرائيل التي تريد الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية وفرض قواعد أمنية جديدة في محيطها. وهذا التداخل يجعل أي ضربة إسرائيلية في العمق السوري قابلة لأن تتحول، ولو عن طريق الخطأ، إلى أزمة مباشرة مع تركيا.
الاستنفار التركي بعد الضربة يعكس حجم القلق من هذا الاحتمال. فأنقرة لا تستطيع التعامل مع استهداف موقع قد يرتبط بوجودها العسكري باعتباره حادثاً سورياً إسرائيلياً محضاً، فيما لا تريد إسرائيل أن تجد نفسها أمام قوات تركية في منطقة تعتبرها جزءاً من مجالها الأمني. والأخطر أن الطرفين يملكان قدرات عسكرية كبيرة، ويعملان في المجال الجوي نفسه، ما يجعل هامش الخطأ ضيقاً للغاية.
في هذا السياق، اكتسب موقف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أهمية خاصة. فقد أعرب عن "قلق بالغ" إزاء الضربة الإسرائيلية، ووصفها بأنها "تصعيد غير ضروري" لا يخدم الاستقرار الإقليمي. والأهم أنه أعلن أن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لتفادي الصدام بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
هذا الكلام يكشف أن واشنطن باتت تنظر إلى احتمال الاحتكاك التركي ـ الإسرائيلي باعتباره خطراً حقيقياً وليس مجرد خلاف سياسي. فالمطلوب أميركياً ليس فقط منع حرب بين إسرائيل وسوريا، بل منع تحول سوريا إلى مسرح مواجهة بين حليفين أساسيين للولايات المتحدة.
تزداد خطورة المسألة لأن أي اشتباك تركي ـ إسرائيلي في سوريا لن يبقى بالضرورة محصوراً في الجغرافيا السورية. فهو قد يفرض على واشنطن التدخل لاحتواء حليفين، ويعيد رسم التحالفات في المنطقة، ويفتح الباب أمام أطراف أخرى لاستغلال الفوضى.
من هنا، تبدو ضربة أبو الظهور اختباراً مبكراً للمرحلة السورية الجديدة. فإذا تمكنت واشنطن من إنشاء آلية واضحة لمنع الاحتكاك، فقد تتحول الضربة إلى حادث محدود. أما إذا استمرت إسرائيل في استهداف المواقع التي ترى تركيا أن لها صلة بحضورها العسكري، أو قررت أنقرة الرد بصورة مباشرة، فإن سوريا قد تتحول من ساحة صراع متعددة الأطراف إلى ساحة مواجهة تركية ـ إسرائيلية مفتوحة، وهو السيناريو الذي تخشاه واشنطن أكثر من أي وقت مضى.
إقرأ أيضاً: كل دقيقة حرب تكلّف واشنطن 49 ألف دولار







